تشجيع المسلمين على الجهاد والتعريض للشهادة ) تشجيع المسلمين هذا ناظر إلى الاحتمال الثاني من قوله وقيل قوما من بني إسرائيل الخ وجه التشجيع هو أن الموت يدركهم لا محالة حين انقضاء الآجال ولا يصيبهم قبله فالموت بالشهادة من أقوى السعادة وإنما قال والتعريض لها لما سيجيء من قوله إذ لو جاء أجلهم ففي سبيل اللّه وإلا فالنصر والثواب .
قوله : ( وحثهم على التوكل والاستسلام ) ناظر إلى الاحتمالين في
الَّذِينَ خَرَجُوا
[ البقرة : 243 ] الآية ولهذا قدم ما هو ناظر إلى الاحتمال الثاني مع أنه مرجوح عنده .
قوله : ( للقضاء ) لم يذكر القدر لما مر بيانه من أن مآلهما واحد إذ القضاء هو الحكم بنظام الموجودات على ترتيب خاص وهو إجمالي والقدر تفصيلي إذ هو تعلق الإرادة بالأشياء في أوقاتها المعينة وقيل القدر إجمالي إذ هو كتصوير النقاش الصورة في الذهن والقضاء كنقش الأستاذ الصورة للتلميذ ومثل أيضا بأن القدر ما أعد للبس والقضاء بمنزلة اللبس كذا في شرح المشكاة لعلي القاري في توضيح حديث الإيمان باللّه .
قوله : ( حيث أحياهم ليعتبروا ويفوزوا وقص عليه حالهم ليستبصروا ) حيث أحياهم أي اللام في الناس للاستغراق شامل للمسلمين ولمن قبلهم ممن ماتوا ثم أحيوا ولمن سمع قصتهم .
قوله : ( أي لا يشكرونه كما ينبغي ) لا يشكرون أي المفعول محذوف « 1 » قوله أي كما ينبغي تركه أولى لأن الكفار لا يشكرونه أصلا قوله كما ينبغي ينتظم للمسلمين مع أن المتبادر كون المراد الكفار ويؤيده قوله بعضهم فيه إشارة إلى أن الكفار أكثر من المؤمنين فأشار إلى أن المراد الكفار وإظهار الناس في مقام الإضمار لما فيه من الإيماء إلى سبب الغفلة فإن الناس تشعر النسيان ولا يبعد أن يكون تنبيها على المغايرة أو لتقرره في الذهن أو لمزيد التشنيع على الشكر بملاحظة أن الإنسان لاحتوائه القوى والآلات والعقل الذي هو أقوى أسباب الإدراكات ينبغي له المواظبة على الشكر والثناء في مقابلة النعم والآلاء .
قوله : ( ويجوز أن يراد بالشكر الاعتبار والاستبصار ) أي بالشكر المنفي الاعتبار الخ .
لأنه من أفعال الجنان فهو من شعب الشكر في مقابلة الإحسان كالثناء باللسان والفرق بين الحث على الانقياد لقضاء اللّه تعالى والسورة الكريمة لأنها سنام القرآن ذكر فيها كليات الأحكام الدينية من الصيام والحج والصلاة والجهاد على نمط عجيب مستطردا تارة للاهتمام بشأنها يكر عليها كلما وجد مناسبة ما في أثناء بيان الأحكام ومقصودا أصليا أحرى دلالة على أن المؤمن المخلص لا ينبغي أن يشغله حال عن حال وإن المصالح الدنيوية ذرائع إلى الفراغة للمشاغل الأخروية والجهاد لما كان ذروة سنام بشهادة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وكان من أشق التكاليف حرضهم عليه من طرق شتى مبتدئا من قوله :
وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
[ البقرة : 154 ] منتهيا إلى هذا المقام الكريم مختتما بذكر الإنفاق في سبيل اللّه للتتميم .
هامش
( 1 ) وقدر بعضهم المفعول فضله تعالى وما ذكره المص أولى .