الاعتبار والاستبصار أن الاعتبار رد الشيء إلى نظيره والاستبصار الاتعاظ به والمجاوزة من حال إلى حال وحملها عليها في حكم لما بينهما من المشاركة المقتضية له وهنا لما كان الفرار من الموت لا يغني شيئا لأهل داوردان أو لقوم من بني إسرائيل ينبغي للعاقل الاعتبار به وعدم التصدي للفرار من مثل هذا والاستبصار به وحكم بأنه يجب الاستسلام للقضاء لأهل الإسلام .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 244 ]
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 244 )
قوله : ( لما بين أن الفرار من الموت غير مخلص منه وأن المقدر لا محالة واقع أمرهم بالقتال إذ لو جاء أجلهم ففي سبيل اللّه وإلا فالنصر والثواب ) لما بين أن الفرار الخ سواء كان بالجهاد كفرار بني إسرائيل أو من الطاعون « 1 » ونحوه من أسباب الهلاك غير مخلص اسم فاعل من التخليص أشار به إلى وجه الارتباط بما قبله ونبه به على أن فائدة القصة تمهيد لهذا الأمر بالقتال كما أشار إليه بقوله وفائدة القصة تشجيع المسلمين الخ فعلم منه أن المخاطبين في قوله تعالى :
وَقاتِلُوهُمْ
[ البقرة : 193 ] المسلمون لا القوم من بني إسرائيل كما ذهب إليه البعض وقد أنجز اللّه وعده في قوله :
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ
[ البقرة : 219 ] الآية بأن أخبر أولا بإحياء جمع غفير بعد إماتتهم كموت رجل واحد التي من الآية العظمى ثم أمر بالقتال والجهاد الذي هو من أعظم الأحكام .
قوله : ( لما يقوله المتخلف والسابق بما يضمرانه وهو من وراء الجزاء ) من قبيل التمثيل شبه إيصال الجزاء الذي أراده اللّه تعالى « 2 » للسابق خيرا وللمتخلف شرا بإيصال من يسوق الشيء من ورائه ما يريده إلى من يريده فذكر اللفظ المركب الموضوع للهيئة المشبهة بها وأريد الهيئة المشبهة وهذا مستفاد من قوله تعالى :
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ
[ البقرة : 194 ] قوله : لما يقوله المتخلف والسابق أي ما يقوله المتخلف عن الجهاد من تنفير الغير عنه وما يقوله السابق إلى الجهاد من ترغيب الغير فيه وإنما حمل الآية على الجهاد وصرفه إليه لأن الكلام فيه .
قوله : عليم بما يضمر أنه أي عليم بما يضمر المتخلف والسابق في قلبهما من الأغراض والبواعث يعلم أن تخلف المتخلف لأي غرض وباعث وإن جهاد المجاهد لأي سبب وباعث وأنه لأجل الدين أو الدنيا .
قوله : وهو من وراء الجزاء وهو مثل يضرب لمن هو رقيب ومهيمن على الشيء أي اللّه تعالى من وراء الجزاء يسوقه إلى مستحقه عليم بالأفعال والأعمال والضمائر والنيات ومجاز عليها فسميع عليم في التهديد كما تقول لمن تهدده أنا عالم بحالك تريد به أنا لا أنساها وأجازيك عليها .
هامش
( 1 ) كفرار أهل داوردان من الطاعون ولم يعلموا أن الحكم للّه أحكم الحاكمين .
( 2 ) أي للسابق للجهاد أو لجميع الصالحات وكذا المتخلف عن القتال مع الكفار أو جميع الأفعال الأخيار .