كقولهم السمن منوان بدرهم ) وأزواج الذين الخ إشارة إلى أن في الآية تقدير المضاف لأن يتربصن خبر والمتوفى الأزواج فلا يكون الخبر عين المبتدأ فإن المتربصات هي الزوجات فلا بد من التأويل فأشار أولا إلى أن المضاف محذوف بقرينة الحال فقال والمعنى وأزواج الذين أي نساء الذين إذ الأزواج جمع زوج والزوج يطلق على الرجل والمرأة وإن اشتهر في الرجل إذ الزوجة لغة غير فصيحة ثم أشار ثانيا « 1 » إلى أن في الخبر وهو يتوفون منكم عائد محذوف وهو قوله :
بَعْدِهِمْ
[ البقرة : 253 ] والمعنى والذين يتوفون منكم يتربصن بعدهم وتربص الزوجات بعدهم عين المبتدأ وهو المتوفى وحاله وإن كان التربص حال النساء ثم أيده لنوع خفاء فيه بقوله كقولهم السمن منوان بدرهم أي بدرهم منه وقد حكي عن شرح التسهيل أنه قال بعد ما ذكر هذه الآية الأصل يتربص أزواجهم ثم جيء بالضمير مكان الأزواج لتقدم ذكرهن فامتنع ذكر الضمير لأن النون لا تضاف لكونه ضميرا وحصل الربط بالضمير القائم مقام الظاهر المضاف إلى الضمير الرابط والحاصل أن الضمير إذا عاد إلى اسم مضاف إلى العائد هل يحصل به الربط أو لا فمنعه الجمهور وأجاز الأخفش والكسائي انتهى والشيخان اختار مسلك الجمهور ولو قيل التنوين في أزواجا عوض عن المضاف إليه أي ويذرون أزواجهم والأمر كذلك لا يفيد وأورد على الأول أنه يلغو قوله « 2 » :
وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
[ البقرة : 234 ] وهذا ضعيف لأنه من قبيل التفسير كقوله تعالى :
وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ
[ التوبة : 6 ] فينبغي أن يكون حذف الأزواج واجبا لوجود المفسر .
قوله : ( وقرىء يتوفون بفتح الياء أي يستوفون آجالهم ) بصيغة المعلوم وهي قراءة علي رضي اللّه تعالى عنه ومعنى يتوفون « 3 » آجالهم يستوفون أعمارهم على أن التوفي بمعنى الاستيفاء إذ التفعل بمعنى الاستفعال كثير فعلى هذا يقال للميت متوفى بزنة اسم الفاعل بمعنى المستوفي لحياته .
قوله : ( وتأنيث العشرة باعتبار الليالي لأنها غرر الشهور والأيام ولذلك لم يستعملوا قوله : وقرىء
يُتَوَفَّوْنَ
[ البقرة : 234 ] بالفتح وهو قراءة علي رضي اللّه عنه رواها أبو عبد الرحمن السلمي قال مجاهد ولا يقرأ بها وقال ابن جني هذا عندي مستقيم لأنه على حذف المفعول أي والذين يتوفون أعمارهم وحذف المفعول كثير في فصيح الكلام وفي الكشاف وما يحكى أن أبا الأسود الدؤلي كان يمشي خلف جنازة فقال له رجل من المتوفي بكسر الفاء فقال اللّه عز وجل وكان أحد الأسباب الباعثة لعلي على أن أمره بأن يضع كتابا في النحو تناقضه هذه القراءة .
قوله : لأنها غرر للشهور والأيام وإنما كانت غرر الشهور لأن أول الشهر إنما يعرف برؤية
هامش
( 1 ) وأخر الثاني لأن فيه نوع خفاء لكن يرد عليه أن الوجه الأول اعتبار تقدير المضاف قبل مس الحاجة إليه .
( 2 ) ويذر مستقبل أميت ماضيه ومصدره وكذلك يدع بمعنى يذر .
( 3 ) وهو كناية عن الموت .