يكون بمعنى الاهتداء فحينئذ البعث مصدر مبني للمفعول فالاحتمال الأول هو الظاهر المعول قوله بالشكر متعلق باذكروا والمراد بالشكر صرف العبد جميع ما أنعم عليه إلى ما خلق له قوله والقيام بحقوقها عطف تفسير له توضيحا وتصريحا لما هو المراد قوله من جملتها إشارة إلى أن النعمة عامة بناء على أن الإضافة للاستغراق أو للجنس وإنما خص الهداية والبعثة بالذكر لمناسبتهما بقوله تعالى :
وَما أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 231 ] الخ .
قوله : ( القرآن والسنة ) القرآن ناظر إلى الكتاب « 1 » والسنة ناظر إلى الحكمة والمراد بالحكمة تكميل النفوس بتكميل القوة النظرية والعملية لكن المراد بها هنا ما يكمل به نفوسهم من المعارف والأحكام العملية والمعارف تكميل القوة النظرية والأحكام تكميل القوة العملية .
قوله : ( أفردهما بالذكر إظهارا لشرفهما ) لأنهما منشأ الهداية وآثار البعثة .
قوله : ( يعظكم به ) أي يرغب به ويرهب به .
قوله : ( بما أنزل جملة عليكم ) جملة معترضة « 2 » للترغيب والترهيب وصيغة المضارع للاستمرار وإسناد الوعظ إليه تعالى حقيقة لكن لا يقال إنه تعالى واعظ كما لا يقال معلم مع إسناد التعليم إليه تعالى في قوله :
وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ
[ البقرة : 31 ] الآية صرح به المصنف هناك .
قوله : ( تأكيد وتهديد ) لأن الإخبار بعلمه تعالى بشيء كناية عن جزائه فلما كان كل قوله : أفردهما بالذكر أي أفرد الكتاب والحكمة بالذكر بعد دخولهما في نعمة اللّه المأمورة بالذكر اظهار لفضلهما على سائر النعم ودلالة بأنهما لشرفهما وفضلهما على النعم كلها كانا كأنهما لم يكونا داخلين في النعمة كالمسك من بين الدماء ولذا قال الشاعر :
فإن تفق الأنام وأنت منهم * فإن المسك بعض دم الغزال
ومن ذلك عطف الصلاة الوسطى على الصلوات وعطف الروح على الملائكة في قوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
[ البقرة : 238 ] وقوله عز وجل :
تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ
[ القدر : 4 ] على أن يراد بالروح جبريل عليه السّلام وذكر نعمتي الكتاب والحكمة مقابلتهما بالشكر والقيام بحقهما .
قوله : تأكيد وتهديد قال الإمام واعلم أنه تعالى رغبهم في أداء التكاليف بما ذكر من التهديد ورغبهم أيضا في أدائها بأن ذكرهم إقسام نعمة عليهم فبدأ أولا بذكرها على سبيل الإجمال فقال
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
[ البقرة : 231 ] وهذا يتناول كل نعم اللّه على العبد في الدنيا والدين ثم إنه ذكر بعد هذا نعم الذين وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا فقال وما أنزل عليكم
هامش
( 1 ) قيل أو القرآن الجامع للعنوانين على أن العطف لتغاير الوصفين ولا يخفى عليك أنه تكلف لا يناسب المقام إذ يلزم السكوت عن أحوال السنة بالمرة .
( 2 ) وقيل إنه حال من فاعل أنزل أو من مفعوله أو منهما جميعا والاعتراض أولى الاحتمالات .