والمراد به أنه يقعد عن الكسب إما تكاسلا أو لعدم القدرة ومعنى يتكفف يسأل الناس بمد كفه وفيه إشارة إلى أنه لو لم يقعد عن الكسب لم يكن ذلك التصدق منهيا قبيحا وأيضا إن جلس عن الكسب ولم يتكفف لا يمنع عنه لأنه لو صبر لكان ممدوحا ولذا ورد في الحديث « خير الصدقة جهد المقل » وبذلك يحصل التوفيق بين الحديثين « 1 » .
قوله : ( أي مثل ما بين أن العفو أصلح من الجهد أو ما ذكر من الأحكام ) بيان المشار إليه قدم كون العفو أصلح لقربه « 2 » ثم جوز كونه جميع ما قبله بتأويل ما ذكر كما نبه عليه بقوله أو ما ذكر ولما كان ما ذكر عاما بينه بقوله من الأحكام .
قوله : ( والكاف في موضع النصب صفة لمصدر محذوف أي تبيينا مثل هذا التبيين ) أي الكاف اسم بمثل المثل صفة موضحة لمصدر محذوف يدل على تعيينه قوله :
يُبَيِّنُ اللَّهُ
[ البقرة : 187 ] قوله تبيينا مثل هذا التبيين إشارة إلى أن ذلك إشارة إلى ما ذكر بتقدير المضاف والمعنى يبين اللّه لكم أيها المكلفون الآيات الدالة على شرعية الأحكام تبيينا واضحا مثل تبيين الأحكام السابقة فصيغة المضارع في بابها والمشبه تبيين الأحكام الأخر والمشبه به تبيين الأحكام الماضية وهذا هو الظاهر من كلام المص وقال صاحب الإرشاد كذلك إشارة إلى مصدر الفعل الآتي والمراد بالآيات الدالة على الشرعية المذكورة لا بيانا أدنى منه وقد مر تحقيقه في قوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً
[ البقرة : 143 ] والظاهر من كلامه أنه حمل الكاف على الكناية مثل قوله : مثلك لا يبخل ولا يخفى ما فيه والحاصل أن مثل هذا الكلام لا يراد به التشبيه بل المقصود المبالغة .
قوله : ( وإنما وحد العلامة والمخاطب به جمع على تأويل القبيل والجمع ) وحد العلامة أي جعل حرف الخطاب مفردا فإن الكاف المتصلة باسم الإشارة ليس ضميرا بل هو حرف يقصد به التنبيه على حال المخاطب من وحدته وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه ومقتضى ذلك كون ذلك الكاف لكون المخاطب جمعا فأشار إلى وجه كونه مفردا بأنه بتأويل القبيل والجمع ولفظهما مفرد فوحد العلامة لكون المخاطب في قوة المفرد وله وجه آخر وهو القصد إلى غير معين كقوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ
[ الأنعام : 27 ] الآية .
قوله : (
لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ
) لكي تتفكروا فيها وتقفوا على دقائقها وما هو المراد منها قوله : وإنما وحد العلامة أي وإنما وحد الكاف في كذلك الذي هو علامة حال المخاطب من الأفراد والجمع والتذكير والتأنيث والمخاطبون هنا جمع فكان الظاهر أن يقال كذلكم لكن وحد في مقام الجمع بتأويل القبيل أو القوم أو الجمع مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى .
هامش
( 1 ) أحدهما قوله عليه السّلام « إنما الصدقة عن ظهر غني » أي عن غنى إذ الظهر مقحم والآخر قوله عليه السّلام « خير الصدقة جهد المقل » والقصر والمستفاد من إنما بالنظر إلى من لم يصبر .
( 2 ) فإذا كان قريبا كيف يشار إليه بذلك الذي للبعيد والجواب أن الشيء لما انقضى التكلم به صار معدوما والمعدوم بعيد والقرب باعتبار تكلمه قريبا أو صيغة البعد لإفادة التعظيم .