أعينهم فكيف يتجاسر أحد أن الشيطان حسن الدنيا في أعينهم على الحقيقة وكون مراده أنه دعا إلى الدنيا ولذاتها واجتهد في حملهم عليها بأنواع الحيل والوسوسة مع ما فيه من خلاف الظاهر لا يضر لها ولا ينفعه وأما قوله تعالى :
لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ
[ الحجر : 39 ] الآية فمحمول على أن التزيين بالإغراء والدعوة لا بجعله إيجادا للمحبة وليت شعري ماذا يقول هذا القائل في قوله تعالى :
يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ
[ الرعد : 27 ] الآية ولقد أجاد من قال من عاب عيب وعلى اللّه توكلت وإليه أنيب .
قوله : ( وكل من الشيطان والقوة الحيوانية ) والمراد بها القوة التي بها يجذب النفس الناطقة ما ينفع البدن ويلائمه ويسمى قوة شهوانية بهيمية اطلاقا للأعم على الأخص إذ هي كما تطلق عليها تطلق على غيرها من القوى المدركة الظاهرة والباطنة والقوى المحركة ولا مدخل لشيء منها في التزيين إلا أن يقال إنها مدخل في الجملة « 1 » .
قوله : ( وما خلق اللّه فيها من الأمور البهية والأشياء الشهوية مزين بالعرض ) وما خلق اللّه فيها أي في الحياة الدنيا من النساء والبنين والحجرين من الذهب والفضة والخيل وغير ذلك فإنها كما أنها مزينة مزينة بكسر الياء مزين بالعرض أي بالمجاز وحاصله أن إسناد التزيين إليها مجاز باعتبار السببية كما أن إسناد الإضلال إلى الشيطان وإلى الأصنام مجاز وأما التزيين بمعنى الإغراء والدعوة إلى الأشياء المشتهيات فساقط عن الاعتبار وإن كان إسناده إليه حقيقة فإن إطلاق التزيين عليه مجاز لأنه مطاوع الزينة بفتح الواو فما لم يتحقق الزينة وجها لم يتحقق التزيين كما أن الكسر لا يتحقق حقيقة ما لم يوجد الانكسار .
قوله : ( يريد به فقراء المؤمنين كبلال وعمار وصهيب أي يسترذلونهم ويستهزئون بهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ) فح تعريف الموصول إما للعهد والمعهودون فقراء المسلمين بقرينة السخرية فإنهم لا يقدرون السخرية إلا منهم ولقوة القرينة قال يريد به مع أن الاطلاع على إرادته تعالى عسير جدا أو للجنس فالمراد على هذا الكاملون في الإيمان كما يشعر به التعبير عنهم بالتقوى وعلى هذا فيه تنبيه على أن الفقراء الصابرين أفضل من الأغنياء الشاكرين والقول بأنه يجوز أن يراد العموم ويدخل الفقراء فيهم دخولا أوليا ضعيف أما أولا فلأنه فيه يفوت التنبيه المذكور وأما ثانيا فلأن سخريتهم بمعنى استرذالهم تحققها بالنسبة إلى أغنياء المؤمنين لا يخلو عن إشكال قوله أو يستهزئون على رفضهم الدنيا الخ . يأبى عن هذا التعميم أيضا إلا أن يقال الرفض المذكور متحقق في الأغنياء أيضا ومعنى الاسترذال ضد الاستعظام وهو معنى مجازي للسخرية قدمه مع مجازيته لأن استرذالهم عام دون استهزائهم أو لكونه مطابقا لما هو المراد من قوله
وَالَّذِينَ اتَّقَوْا
[ البقرة : 212 ] على ما هو الظاهر من قوله لأنهم في أعلى عليين الخ أي وهم يسترذلون الكافرين في الآخرة .
هامش
( 1 ) فإنها كالجاسوس للقوة الشهوية فحينئذ لا مجاز في القوة الحيوانية .