قوله : ( في مجامع أموركم ليعبأ بكم واعلموا أنكم إليه تحشرون للجزاء بعد الإحياء وأصل الحشر الجمع وضم المتفرق ) في مجامع أموركم لما كان الظاهر من حذف المفعول التعميم قال في مجامع أموركم ولم يقل في أداء مناسككم مع أن الكلام فيها لكن فدخل في ذلك دخولا أوليا والمراد بالاتقاء هنا المرتبة الوسطى وهو التجنب عما يؤثم من فعل أو ترك لأنها هي المتعارفة في الشرع ولأن الخطاب للمؤمنين فلا مساغ للحمل على الاتقاء عن الشرك المجامع جمع مجمع من اجتمعت الأمر إذا عزمت عليه والأمر مجمع والتقييد بقوله
يَعْبَؤُا بِكُمْ
لقوله تعالى :
إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
[ الحجرات : 49 ] ولمقارنته قوله لمن اتقى فإن الحكم الإلهي لما كان المنتفع به من اتقى أو لأجله كما أشير إليه كان المتقي عند اللّه ممن يعبأ به ويعتد به فجملة واتقوا اللّه تذييلية والحث على كونهم ممن يعبأ به وجملة واعلموا أنكم إليه لا إلى غيره تحشرون للجزاء خيرا أو شرا فواظبوا على التقوى حتى تجاوزن بأحسن الجزاء جملة تذييلية مقررة للأمر بالتقوى بعد الإحياء إما بجمع الأجزاء المتفرقة والعظام البالية قوله وأصل الحشر ظاهر في هذا الاحتمال أو بإعادة المعدوم بعينه وهو مذهب جمهور المتكلمين .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 204 ]
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ ( 204 )
قوله : ( يروقك ويعظم في نفسك ) يروقك تجريد للخطاب له عليه السّلام لأنه إمام أمته لكن الإعجاب عام قال اللّه تعالى في سورة المنافقين :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ
[ المنافقون : 4 ] فالخطاب خاص والحكم عام في الموضعين ولك أن تقول الخطاب لغير معين فيعم لكل من يتأتى منه الإعجاز فيوافق ما في سورة المنافقين في عموم الخطاب والحكم إذ فيها العموم ظاهر لقوله
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ
فإن رؤيتهم غير مختصة به عليه السّلام وإن كانت الرؤية هنا معتبرة أيضا لكنها لم تذكر صريحا ولما كان الإعجاب مستعملا في أمر غريب مستحسن قال يروقك أي يحسن في سمعك ويعظم في نفسك لازم له لأن الأمر الغريب المجهول السبب يعظم وقعه في القلوب فالمراد بالنفس هنا القلب ويحتمل أن يراد الروح .
قوله : ليعبأ بكم أي ليبالي بكم فيدل من طريق المفهوم على أنكم إن لم تتقوا اللّه لا يبالي بكم معنى التفسير بالعموم أعني قوله في مجامع أموركم أفاده ذكر التقوى مطلقا عن التعلق بشيء .
قوله : يروقك تفسير للأظهر بالظاهر والتعجب حيرة قال الراغب التعجب حيرة تعرض للإنسان عند جهل سبب الشيء وليس هو لشيء في ذاته بل هو بحسب الإضافة إلى من يعرف السبب وإلى من لا يعرفه ولهذا قال قوم لكل شيء عجب وقال قوم لا شيء عجب وحقيقة أعجبني كذا ظهر لي ظهورا لم أعرف سببه .