الحنفية خلافا للشافعي ولعل من حكم بنسخها بالحديث المذكور من الأئمة الحنيفة والتفصيل في الأصول فالأولى أن يقال إن المنسوخ لما لم يمكن كونه منسوخا ثانيا فالمراد أن الحديث الشريف مبين لكونها ناسخة .
قوله : ( وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها تدل على تقديم الوصية ) فالتعارض والمخالفة شرط في النسخ فإنه تبديل وتغيير فلا بد من التعارض قوله بل تؤكد وتقرره حيث قال تعالى في آية الميراث
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ
[ النساء : 12 ] الآية فقرر اللّه الوصية ونص على أنها مقدمة على الميراث فكيف يقال إنه منسوخ بآية المواريث .
قوله : ( مطلقا ) أي من غير تقييد بكونها للوارث وغيره .
قوله : ( والحديث من الآحاد وتلقي الأمة له بالقبول لا يلحقه بالمتواتر ) جواب عن كون الحديث ناسخا له بعد الرد عن كون آية الميراث ناسخة لهذا الحكم هذا وأجاب من طرف الأئمة الحنفية فخر الإسلام بوجهين الأول إن آية الميراث نزلت بعد آية الوصية بالاتفاق وقد قال تعالى
مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها
[ النساء : 11 ] منكرة والوصية الأولى كانت معهودة فلو كانت تلك الوصية باقية لوجب ترتيبه على المعهود فلما رتب الإرث على الوصية المطلقة دل على نسخ الوصية المقيدة المفروضة لأن الإطلاق بعد التقييد نسخ كما أن التقييد بعد الإطلاق نسخ لتغاير المعنيين والثاني أن النسخ نوعان أحدهما ابتداء « 1 » بعد انتهاء محض والثاني من محل إلى محل كما نسخت القبلة بطريق الحوالة إلى الكعبة وهذا النسخ من قبيل الثاني بيانه أن اللّه تعالى فرض الإيصاء في شأن الأقربين على العباد بقوله
الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ
[ البقرة : 180 ] بشرط أن يراعوا الحدود ويبينوا حق كل قريب بحسب قرابته وإليه أشار بقوله بالمعروف ثم لما كان الموصي لا يحسن التدبير في مقدار ما يوصي لكل واحد منهم وربما كان يقصد إلى المضارة تولى « 2 » اللّه تعالى بنفسه بيان ذلك الحق على وجه تيقن به أنه هو الصواب وأن فيه الحكمة البالغة وقصره على حدود لازمة من السدس والثلث والنصف والثمن لازمة لا يمكن تغييرها فتحول من جهة قوله : وفيه نظر لأن آية المواريث لا تعارضه بل تؤكده من حيث إنها أي من حيث إن آية المواريث تدل على تقديم الوصية مطلقا وجه كون آية المواريث مؤكدة لما دلت عليه هذه الآية من الوصية للوالدين والأقربين أن الوصية ذكرت هناك مطلقة وفي ضمن الوصية المطلقة الوصية للوالدين والأقربين فذكر الشيء إجمالا بعد ذكره تفصيلا تأكيد لذلك الشيء .
هامش
( 1 ) كحرمة الخمر ابتداء بعد انتهاء حله في صدر الإسلام .
( 2 ) والحكمة في تفويض الأمر إليهم مع أنهم لا يحسنون التدبير في مقدار ما يوصي الخ التخفيف عليهم في ابتداء الإسلام حتى يتقوى إسلامهم ويشرب حبه في قلوبهم فإذا حصل هذا المرام وتقوى الإسلام تولي اللّه الملك العلام ببيان الانصباء بما يليق بالأنام .