هذا الوقت يلزم أن يكون الوصية الكائنة في هذا الوقت واجبة وإلا يلزم أن يكون الوصية الكائنة في غير هذا الوقت واجبة في هذا الوقت ولا يخفى فساده ثم المعنى كتب عليكم أيها المؤمنون على سبيل البدل الوصية وقت فرضها حضور أحدكم الموت وحاصله كتب على كل واحد منكم حين حضور الموت إياه وللتنبيه على أنه فرض عين صرح لفظ أحد فلا إشكال بأنه كيف يصح جعل إذا ظرفا لكتب أو الوصية وهو يستلزم كون الوصية واجبة على جميع المؤمنين وقت حضور أحدهم الموت دون من حضره الموت فإنك قد عرفت أن الوصية على جميع المؤمنين فرض لكن لا سبيل الاجتماع بل على سبيل الانفراد كما هو شأن أكثر الخطابات قوله إذا حضر الخ . بيان وقت فرضها على كل أحد أحد من المسلمين إلى يوم الدين وفي هذا البيان إجمال أولا وتفصيل ثانيا كما هو شأن البلاغة واستعمال أرباب البراعة فلو قيل كتب على أحدكم حين حضره الموت لفات هذه البلاغة وما قيل إنما قال هكذا لأن الوصية لم تفرض على من حضره الموت فقط بل عليه أن يوصي وعلى الغير بأن يحفظه فسخيف أما أولا فلأنه ح لا يفهم الوجوب على من حضره الموت كما مر بيانه وأما ثانيا فلأن حفظ الوصية غير الوصية والمفروض هو الوصية فيحتاج حينئذ إلى الجمع بين الحقيقة والمجاز أو إلى عموم المجاز وأما ثالثا فلأن وجوب الحفظ مفهوم من قوله
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ
[ البقرة : 181 ] الآية كما تسمعه وأما رابعا فلأن حفظ الوصية إنما يفرض بعد الموت لا حين حضور أسباب الفوت وتعميم وقت حضوره إلى بعد الموت ميل عن الجادة القويمة وخروج إلى المكابرة الصريحة .
قوله : ( وقيل مبتدأ خبره للوالدين ) عديل قوله مرفوع بكتب أي الوصية مبتدأ وخبره للوالدين فلا بد من تأويل الوصية بالإيصاء أو أن يوصي وإن لم تكن عاملة في الوالدين إذ كون المراد بها الموصى به لا يناسب هنا أو خبره محذوف أي فعليه الوصية ولم يلتفت إليه لأن المصير إلى الحذف خلاف الظاهر .
قوله : ( والجملة جواب الشرط ) أي جملة الوصية للوالدين الآية جواب الشرط وهو أن ترك خبرا والجملة فاعل كتب أو فاعله عليكم مجازا .
قوله : ( بإضمار الفاء كقوله : من يفعل الحسنات اللّه يشكرها ) إذ دخول الفاء واجب في الجملة الاسمية إذا كانت جزاء .
قوله : بإضمار الفاء فإن الجملة الاسمية إذا وقعت جوابا للشرط وجب دخول الفاء عليها ليدل على أنها جزاء له والأصل في الدلالة على الجزاء الجزم لكن لما تعذر الجزم فيها لأنه إنما يكون في الفعل المضارع اكتفى بالفاء بدلا عنه لدلالته على أن مدلول الجملة الاسمية مسبب عن الشرط المذكور فلذلك كان دليلا على أنها جزاء له مسبب عن الشرط .
قوله : من يفعل الحسنات بجزم الفعل على أنه شرط وكسر اللام لضرورة التقاء الساكنين واللّه يشكرها جملة اسمية واقعة جوابا للشرط بتقديم الفاء أي فاللّه يشكرها حذفت الفاء لضرورة وزن الشعر فإنه مصراع من البحر البسيط وزنه مستفلن فعلن مرتين ودخول الفاء يبطل