قوله : ( والمعنى أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم ) والمعنى أي على التقديرين أو على التقدير الثاني أن الكفرة لانهماكهم في التقليد فيه إشارة إلى ارتباط هذا الكلام بما قبله ولا يلزم التخصيص إذ لا يخلو كل كافر عن التقليد ولو سلم لزوم التخصيص فيعلم حكم من عداهم من الكفرة بدلالة النص كأن يقال إن الكفرة العارفين بالحق لإصرارهم في العناد وتماديهم في الطغيان والإفساد لا يلقون أذهانهم الخ .
قوله : ( إلى ما يتلى عليهم ولا يتأملون فيما تقرر معهم فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت ) إلى ما يتلى عليهم من الآيات النقلية والبراهين العقلية وهو المراد بما أنزل اللّه في قوله
اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ
« 1 » وإذا كان كذلك فهم كالبهائم الخ بل هم أضل سبيلا فلو أشار إليه لكان أحسن سبكا قوله فهم في ذلك كالبهائم الخ ظاهر في الوجه الثاني حيث لم يتعرض حال الداعي صريحا وإن فهم من تقريره إشارة ولو كان مراده على الوجهين لقال فداعيهم كمثل الذي الخ وأصاب من قال إن قوله والمعنى الخ متعلق بالوجه الثاني حيث شبه الكفرة بالبهائم والوجه الأول متروك البيان أي متروك البيان قصدا وصراحة فقوله التي ينعق عليها الخ من تتمة تشبيه الكفرة بالبهائم لا التعرض للوجه الأول ولذا ذكره بطريق الصفة التي تنبئ عن التبعية وينكشف من ذلك البيان اختياره الوجه الثاني وإن أخر ذكره في أول الكلام لكونه فصلا واحدا وهو أولى من الفصلين ويندفع البحث السابق من أن الأولى تقديم الوجه الثاني .
قوله : ( ولا تعرف مغزاه ) أي لا تعرف المقصود من ذلك الصوت بالغين والزاي المعجمتين محل الغزو والقتال وتجوز به عن المقصود يقال هو لا يعرف مغزا كذا أي ما يقصد منه والعلاقة الإطلاق والتقييد ذكر اسم المقيد المقصود وأريد مطلق المقصود « 2 » أو التشبيه شبه المعنى المقصود بالمغزى في المقصودية فاستعير اسم المشبه به للمشبه وهو الأولى .
قوله : ( وتحس بالنداء ولا تفهم معناه ) وتحس الخ لوجود القوة السامعة ولا تعرف معناه لعدم عقله وكذا الكافر يسمع صوت الداعي إلى الإيمان ولا يعرف المقصود منه لانهماكه في التقليد ولكونه أميا أو لإعراضه تجاهلا وهو عين الحاذق وفي فنه الفائق ويحس بالنداء أي المنادى له لتحقق الآلة السامعة ولو لم يقصده ولا يعرف معناه أي معنى ما يلقى إليه إن كان أميا أو نزل معرفته منزلة العدم لعدم جريه على موجبه إن كان عارفا به آبيا عن قبوله ولما كان هذا السمع خاليا عن معرفة المسموع كان كلا سمع ولهذا قال تعالى : في شأنهم
صُمٌّ
الآية فلا منافاة ولم يبين الفرق بين الدعاء والنداء والظاهر من
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى تعلقه بما قبله .
( 2 ) لأن استعمال المقيد بالمقيد الآخر إنما يكون بطريق التشبيه والاستعارة وأما المجاز المرسل فبالعناية بأن يقال استعمل اسم المقيد في المطلق ثم استعمل المطلق في المقيد الآخر إما بطريق كونه فردا منه فيكون المجاز بمرتبة أو على أنه مجاز فيكون مجازا .