قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 171 ]
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ( 171 )
قوله : ( على حذف مضاف تقديره ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق أو مثل الذين كفروا كمثل بهائم التي تنعق ) على حذف مضاف إما في جانب المبتدأ وهو الداعي في ومثل داعي الذين الخ . أو في جانب الخبر وهو البهائم في ومثل الذين كفروا كمثل البهائم التي تنعق وهذا الأخير هو الأولى إذ التقدير في الأول قبل مساس الحاجة إليه إذ الحاجة إنما نشأت من الأخير فلو قدمه لكان أحرى وأيضا تشبيه حال الكفرة بحال البهائم أدخل في الذم وأصرح في المقصود وإن استلزم كل منهما الآخر وقرينة الحذف ما قبل الكلام فإن قوله :
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا
الآية يدل على الداعي سواء كان النبي عليه السّلام أو أمناؤه وقوله :
قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا
يشعر بأن الكافر كالبهائم وإذا كان قرينة الداعي سابقا قدم الأول على الثاني والداعي إلى الحذف الإيجاز المعتبر في البلاغة مع قيام القرينة القوية حتى لو ذكر لكاد أن يعد من الإطناب لدى أولي الألباب كمثل البهائم الخ أي كمثل بهائم الشخص الذي ينعق بما لا يسمع وهو البهائم وضع موضع المضمر أي كمثل بهائم الشخص الذي ينعق بما لا يسمع وهو البهائم ليتمكن من إجراء الصفة التي هي وجه الشبه كما قيل .
بدليل فلا حاجة إلى التقليد وإن لم يعلم كون مقلده محقا بل يتبعه فإن كان مبطلا فهو لم يعلم أنه محق أو مبطل فلا يكون جازما في اعتقاده والمقلد اعتبر الجزم في اعتقاده .
قوله : تقديره ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق أو مثل الذين كفروا كبهائم التي تنعق والفرق بين هذين الوجهين أن المضاف المحذوف على الأول في جانب المشبه وعلى الثاني في جانب المشبه به وقوله والمعنى أن الكفرة إلى آخره تفسير مشترك بين هذين الوجهين فإن وجه التشبيه على التقديرين سماع الصوت وعدم معرفة معناه أما كونه بيانا على الوجه الثاني فظاهر وأما على الأول فبالاستلزام من حيث إنه إذا شبه الكفرة بالبهائم يكون داعيهم إلى الحق كراعي البهائم ودعاء الراعي كرعي وإنما احتيج إلى تقدير مضاف لأن الذين كفروا هم المدعوون والذي ينعق هو الداعي فلا مطابقة بين المشبه والمشبه به وإنما تحصل المطابقة إذا قدر مضاف أما في جانب المشبه وهو الداعي أو في جانب المشبه به وهو البهائم أي كمثل بهائم الشخص الذي ينعق بما لا يسمع والمراد بما لا يسمع البهائم وما في بما لا يسمع مظهر موضوع موضع المضمر قيل ههنا نظر وهو أن الذي ينعق بما لا يسمع الادعاء مشتمل على أمور الناعق ونعقه والبهائم المنعوق بها هذا في جانب المشبه به وكذا في جانب المشبه أمور الذين كفروا وداعيهم ودعاؤه فكما يجوز أن يكون هذا التشبيه من التشبيهات المفرقة حتى يكون الداعي كالناعق والكفرة كالبهائم ودعاؤه الكفرة كنعيق الناعق بالبهائم كذلك يجوز أن يكون من التشبيهات المركبة ويكون تشبيه المجموع بالمجموع فلم جعله تشبيها مفرقا واحتاج إلى تقدير مضاف في المشبه أو المشبه به ولم يجعله من التشبيه المركب حتى لا يلزم التطابق بين الأجزاء والأجزاء بأن يشبه كل واحد من أجزاء المشبه بآخر مثله من أجزاء المشبه به .