منهما ممكن إذ التضاد بين المرادين لا يستلزم تضاد الإرادتين فإما أن يحصل الأمران فيجتمع الضدان أولا فيلزم عجز أحدهما المنافي للألوهية ولظهور ذلك مما سبق بأدنى تغيير لم يتعرض له والمراد بالتطارد هنا غير التطارد فيما ذكرنا إذ المراد به هنا التمانع المذكور بأن يريد أحدهما ضد ما أراد الآخر وما سبق تطارد القدرتين لكونهما تامة على ما فرضناه مع الاتفاق في الإرادة وأنت خبير بأن تطارد القدرتين هنا كما في صورة توافق الإرادتين ممكن فالمحذور وعدم حصول مراديهما لا حصول الاجتماع المذكور فتأمل في هذا المقام فإنه من مشتبه الأعلام ومحل التفصيل شرحا وجرحا علم الكلام .
قوله : ( وفي الآية تنبيه على شرف علم الكلام وأهله وحث على البحث والنظر فيه ) وما نقل عن الإمام الشافعي من أنه قال لأن يلقى اللّه تعالى عبدا بأكبر الكبائر خير من أن يلقاه بعلم الكلام فلعله محمول على التوغل والخوض في دقائقه والإقدام على علم ما لا ينبغي أن يقدم عليه كالبحث عن صفاته تعالى بحيث يؤدي إلى مرتبة الجربزة فقوله وحث على البحث والنظر مراده البحث على وفق الشرع وسيرة قدماء أهل الإسلام متجنبا عن التعصب وتخطئة صاحبه في تحقيق المقام وتوضيح المرام على وفق مسلك المتكلمين أن السماوات ارتفاعها بلا عمد ولا علاقة مع أنها أقوياء محكمات وما يرى فيها من الشمس والقمر والنجوم واختلاف أحوالها من الطلوع والغروب مع إمكان ضدها آية عظيمة ومد الأرض وبسطها وسعتها واختلاف أحوالها منبتا أو غير منبت وما يرى فيها من الأشجار والأثمار والجبال والأنهار والآبار وقيل والبحار مع إمكان خلاف ما ذكر آية جسيمة واختلاف الليل والنهار بمعنى تعاقبهما بإيلاج الليل في النهار وبالعكس جزء فجزء على وجه مخصوص مع إمكان ذلك على غير ذلك الوجه آية عجيبة وأيضا إقبال الخلق في أول الليل على النوم يشبه الموت ويقظتهم آخر الليل يشبه عود الحياة إليهم وهذه آية غريبة وجريان الفلك على وجه مخصوص وبأسباب لا يقدر على خلقها وجمعها غيره تعالى وتسخير البحر لحمل الفلك مع قوة سلطان البحر إذا هاج واضطرب وغير ذلك دلائل ساطعة وإنزال الماء ورقته ولطافته وعذوبته وكونه سببا لحياة الأرض الطيب على وجه مخصوص آية قاطعة وإحياء الأرض بالنبات مع اختلاف ألوانه وطعمه وروائحه مع كونه يسقى بماء واحد وغير ذلك برهان أنيق وقس على ذلك الآيات الباقية وبالجملة في كل شيء دليل على وجود الصانع حتى في ذرة وقطرة من وجوه شتى لأنه وجد على وجه مخصوص من الرطوبة أو اليبوسة والرقة أو الغلظة والصلابة أو اللينة والخشونة والحلاوة والمرارة وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى وكونه على وجه غير ما وجد عليه أمر ممكن فلا بد « 1 » من موجد حكيم قادر على ذلك مخصص بتلك الكيفية فعلم أن حبة وذرة يدل
هامش
( 1 ) إشارة إلى كبرى القياس أي إذا كانت الأمور ممكنة لا بد لها من موجد لامتناع وجود الممكن بلا موجد حكيم عالم بحقائق الأشياء وما فيها من المصالح والمفاسد يوجد تلك الأمور الممكنة على وجه مخصوص من الوجوه الممكنة يستدعيه علمه بما فيه من المصلحة قادر إذ لا إيجاد بدون قدرة .