أحياء وهذا لعنهم أمواتا أو الأول بيان لحدوث اللعنة ولو على سبيل الاستمرار على سبيل التجدد والثاني لبيان استقرارها وثباتها فنظر المص أدق وبالقبول أحق فظهر ضعف ما قاله الطيبي إن مسلك الإمام أحسن لأن الآية حينئذ من باب التذييل فيدخل هؤلاء فيها دخولا أوليا فإن هذا غفلة عن القيود كما عرفت والمقيد بإحدى القيود مغاير للمقيد بقيد آخر قوله ومن يعتد بلعنه من خلقه من الملائكة طرا لأن الجمع المحلى باللام يفيد الاستغراق حيث لا عهد ولا معهود هنا والقول بأن الملائكة المستغرقون في مشاهدته تعالى لا شعور لهم بذاتهم فضلا عن غيره مدفوع بأنه لا نم عموم الأوقات يؤيده سجودهم لآدم عليه السّلام إذ لم ينقل من أحد أنهم لم يسجدوا له « 1 » وكذا اللعن للكاتمين يجوز أن يصدر منهم ولو سلم عموم الأوقات لا نم عدم جواز صدور اللعن مع الاستغراق كما جاز الجمع بين مناجاة الحق ودعوة الخلق للرسول عليه السّلام كذلك يجوز الجمع أيضا بين الاستغراق وبين اللعن واستحالة الجمع بين الأمرين وبين الأمور منشؤها العلائق البشرية والكدورات البدنية والملائكة منزهون عن ذلك ألا يرى أنه عليه السّلام بعد انشراح صدره جمع بين مناجاة الحق ودعوة الخلق وكذا القول بأن بعض الأتقياء لا يلعنهم ليس بسديد لأن اللعن صدر من إمام الأتقياء وسند الأصفياء فما ظنكم بمن سواه من الأولياء وأيضا ما معنى ذلك وقد أخبر اللّه تعالى بأنه يلعنه ويلعن جميع الملائكة والناس ومن يلعن اللّه فلن تجد له نصيرا ومن لم يكن له نصيرا ولا هاديا فلا ريب في جواز اللعن عليه وقد صرح العلماء بأن اللعن على وجه العموم يجوز وأما على وجه الخصوص فلا يجوز إلا على من أخبر اللّه بكفره ومات عليه نعم إن الكفار لا يلعنونهم ولذا قيد المص بقوله ومن يعتد بلعنه من خلقه رمزا إلى أن الكفار لا يعتد بلعنهم سواء لعنوا أو لا قوله من خلقه إشارة أن الناس أعم من الجن أو اكتفى بذكر الناس عن ذكرهم .
قوله : ( وقيل الأول لعنهم أحياء وهذا لعنهم أمواتا ) لعل وجه التمريض أن التخصيص خلاف الظاهر وإشكال التكرار مندفع بما مر من أن المراد بالأول الحدوث والثاني الاستمرار والاستقرار حيث كانت الجملة الأولى جملة دالة على التجديد والثانية جملة اسمية دالة على الثبوت وأما القول بأن المناسب كون الحدوث للدار الدنيا والثبوت للدار الآخرة كما ذكره النحرير التفتازاني فليس بتام أما أولا فلأن ما وقع في الدار الدنيا كثيرا ما عبر بالجملة الاسمية وأما ثانيا فلأن ثبوت اللعن في الدار العقبى متفرع على ثبوت اللعن في الدار الدنيا .
قوله : ( وقرىء والملائكة والناس أجمعون عطفا على محل اسم اللّه لأنه فاعل في المعنى كقولك أعجبني ضرب زيد وعمرو ) عطفا الخ لأنه في التقدير أولئك عليهم أن لعنهم اللّه والملائكة لأن تأويل المصدر بأن الفعل مما اتفق عليه النحاة من الثقات حيث
هامش
( 1 ) نعم ذهب بعضهم إلى أن المأمورين بالسجود سكان الأرض من الملائكة وهذا مرجوح والراجح العموم ولم يذهب أحد مع التعميم إلى أن الملائكة المستغرقين في جمال اللّه وجلاله لم يسجدوا له .