تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
قوله تعالى :

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 159 ]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ( 159 ) قوله : ( كأحبار اليهود ) إشارة إلى عموم الحكم وإن نزلت الآية في شأن أحبارهم وعلمائهم ولما كان الإخفاء متوقفا على المعرفة قيد بالأحبار وهم في الحقيقة الأشرار ويحتمل أن يكون قوله كالأحبار إشارة إلى أنها نزلت في كل من كتم شيئا من أحكام الدين لعموم الحكم لكل فالموصول للاستغراق وكذا اللام في البينات لكن قوله الآتي في تفسير الكتاب في التورية كالصريح في أن المختار عند المص كون الآية نازلة في أحبار اليهود فإنهم هم المشهورون بالكتمان والاشتراء بآيات اللّه ثمنا قليلا وتحريف الكلم عن مواضعه وقد قرر في الأصول أن خصوص سبب النزول لا ينافي عموم الحكم وللإشارة إلى ذلك قال كأحبار اليهود فالموصول للعهد كما اختاره صاحب الكشاف لكنه لم ينبه على عموم الحكم حيث قال من أحبار اليهود فح صيغة المستقبل إما للتنبيه على استمرار الكتمان منهم أو لحكاية الحال الماضية . قوله : ( كالآيات الشاهدة على أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) أي الآيات الواضحة دلالة على أمر الرسول عليه السّلام من نعوته الشريفة وحقيته وكونه صاحب القرآن ونبي آخر الزمان وجه إدخال الكاف ما مر . قوله : ( وما يهدي إلى وجوب اتباعه والإيمان به ) لما كان استعمال الهدى متعديا بمعنى الهداية ولازما بمعنى الاهتداء أشار إلى أن المراد هنا المتعدي إذ المراد الآيات الهادية عطفا على البينات لتغاير المفهومين وعبر بالمصدر للمبالغة لكونه مجازا عقليا كقول الخنساء وإنما هي إقبال وإدبار قال الشيخ عبد القاهر وجعلهما بمعنى مقبلة أو مدبرة رديء كلام مرذول حيث قال إذ لو قلنا وإنما هي ذات إقبال وإدبار أفسدنا الشعر على أنفسنا وخرجنا إلى شيء مغسول وكلام عامي مرذول إلى آخر كلامه كما في المطول في بحث الإسناد وكذا إن قلنا إن الهدى بمعنى الهادي أو ذات الهدى لفات المبالغة لا مساغ له عند من هو صحيح الذوق فقوله وما يهدي بيان حاصل المعنى والتنبيه على أنه لو كان الكلام قد جيء به على ظاهره ولم يقصد المبالغة لكان حقه أن يجاء بالهادي أو بذات الهدى لا أنه مراد وهذا أيضا مستنبط من كلام الشيخ ولم يجمع مثل البينات لكونه مصدرا وأخر عنها إذ الهداية بعد الوضوح وأما تقديم هدى في قوله تعالى :
هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ
[ البقرة : 185 ] فلأن المراد هناك الهداية بإعجازه أو لكونها مقصودا أصليا وحمل الإمام الهدى على الدلالة العقلية والنقلية فح يكون معطوفا على ما أنزلناه لا البينات كما في الأول . قوله : ( لخصناه ) التلخيص التوضيح على وجه يتلقاه كل أحد من الناس من غير أن يكون فيه اشتباه والتباس وهذا عنوان مغاير لكونه بيّنا في نفسه وهذا متفرع على ذلك والمراد بالناس الكل لا الكاتمون فقط ولذا ذكر مظهرا بقرينة أن التبيين والتلخيص للكل