والجار أن متعلقان بيكتمون « 1 » أو الأخير متعلق بمحذوف وقع حالا من مفعوله أي كائنا في الكتاب والأول أولى لأن في الثاني تمحلا « 2 » ومعنى كتمانهم في الكتاب أنه وقع في الكتاب فإن المراد بالكتمان إما ستره وإخفاؤه أو إزالته ووضع شيء آخر موضعه فإنهم محوا نعوته عليه السّلام وكتبوا مكانه ما يخالفه وهو المعبر بالتحريف وهذا هو المراد هنا .
قوله : ( في التوراة ) فاللام في الكتاب للعهد بقرينة أن الكتم وقع من اليهود وكتابهم التوراة .
قوله : ( أولئك يلعنهم اللّه ) خبر الموصول فدخول الفاء في خبر المبتدأ الموصول كثير شائع فعدم إتيان الفاء في هذه الجملة للتنبيه على أن لعنهم لآذاهم الرسول عليه السّلام وعبادتهم العجل وطلب رؤية اللّه تعالى عيانا لا الكتمان فقط كما أفاد المص مثله في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ
[ آل عمران : 90 ] الآية وقيل لئلا يوهم أن لعنهم إنما هو بهذا السبب إذ له أسباب جمة ورد بأن إدخال الفاء لا يقتضي حصر السبب وأن المقام يقتضي إفادة السببية ليتوبوا عنه ولعل مراد القيل إن ترك الفاء لإفادة أن الكتمان ليس سببا مستقلا لذلك اللعن بل هو سبب ناقص يتم بأسباب أخر قوله بل له أسباب جمة يومي إليه والقول بأن التعبير باسم الإشارة بعد تعقيب المشار إليه بأوصاف تدل على أن المشار إليه جدير بما يرد بعده لأجلها فالتعبير باسم الإشارة أغنى عن الفاء ليس بمفيد لإتيان الفاء في مثله كما في الآية التي تليها فلا بد من نكتة تركها وإتيانها في صورة التعبير باسم الإشارة كما في غيره ولعل النكتة ما مر من التنبيه على أن له أسباب أخر في صورة الترك وانحصار السبب على المذكور ولو ادعاء في صورة إتيان الفاء أو بناء على قصد السببية أو عدم قصدها ومثل هذا كاف في الخطابيات ويلعنهم اللاعنون كرر الفعل ليدل على أنه جنس آخر إذ معنى الأول الطرد عن الرحمة والإحسان ومعنى الثاني الدعاء عليهم باللعن والتبعيد عن اللطف والرضوان .
قوله : ( أي الذين يتأتى منهم اللعن عليهم من الملائكة ) أي الذين يريد أن اللام في قوله : الذين يتأتى منهم اللعن وإنما فسر اللاعنون به لأن المراد بهم ليس من هو بصدد اللعن الآن بل المراد من يقدر على اللعن ويتأتى هو منه قال الزجاج اللاعنون هم المؤمنون وكل من آمن باللّه من الجن والإنس والملائكة وعن ابن عباس اللاعنون كل شيء من الأرض وعن ابن مسعود رضي اللّه عنه الاثنان إذا تلاعنا لحق اللعنة مستحقها منهما فإن لم يستحقها منهما رجعت
هامش
( 1 ) وفي تقييد الكتمان بالظرف إشارة إلى شناعة حالهم بأنهم يكتمون ما لخص وأوضح للناس فالاشتغال بالشيء مع ما ينافيه من أعجب الشناعة أو إلى أعظم وزره حيث كتموا ما فيه النفع العام فأضلوا بعد ما ضلوا .
( 2 ) إذ الكتمان بمعنى إزالته ووضع شيء آخر في موضعه ليس في حال كونه في الكتاب ولو أريد به الإخفاء لاستقام الحال لكنه ليس بمراد .