قوله : ( وقيل للعلم ) لأنه مذكور في قوله ما جاءك من العلم بمعنى المعلوم الذي هو الوحي والحق ومن جملته كون الكعبة قبلة دون ما ادعاه أهل الكتاب .
قوله : ( أو القرآن أو التحويل ) أو القرآن أضمر بلا ذكر شهادة له بالنباهة المغنية عن التصريح ولأنه حاضر في أذهان الموحدين فيصرف الضمير إليه ما لم يمنع مانع أو التحويل لدلالة الكلام السابق عليه وأشار إلى ضعف هذه الوجوه الثلاثة بقوله يشهد للأول أي قوله كما يعرفون أبناءهم يشهد لكون المرجع الرسول عليه السّلام لأن التخصيص بأهل الكتاب يقتضي أن يكون هذه المعرفة مستفادة من كتابهم وقد أخبر اللّه سبحانه وتعالى عن كون أوصافه عليه السّلام مذكورة في التورية والإنجيل بقوله يجدونه مكتوبا في التورية والإنجيل وأما كون وصف القرآن مذكورا في كتابهم فلم يخبر اللّه تعالى كونه مذكورا فيه وكذا العلم والتحويل لم يقع الخبر عنهما وهذا القدر يكفي في الشهادة في الأمور الظنية وينصره الحديث الآتي ذكره كما نبه عليه بقوله وعن عمر رضي اللّه تعالى عنه الحديث .
قوله : ( يشهد للأول أي يعرفونه بأوصافه ) نبه به على أن المراد ليس معرفتهم الرسول من حيث ذاته ونسبه الشريف بل المعرفة بأوصافه المنعوتة في كتابهم ومن جملتها صلاته عليه السّلام إلى القبلتين والقرار في التوجه إلى الكعبة بعد نسخ التوجه إلى الصخرة وبهذا يتضح ارتباطه بما قبله كمال الارتباط فقوله فيما سبق الضمير لرسول اللّه عليه السّلام بناء على التسامح والمراد أن الضمير لرسول اللّه عليه السّلام من حيث الوصف وأيضا ذكره عليه السّلام على هذا الوجه لا يتقدم أصلا فاضمحل الإشكال المذكور وهو أن الظاهر أن فيه التفاتا دون الإضمار بدون سبق الذكر فإنه لو سلم كونه مقصودا ذكرا فذكره عليه السّلام من حيث ذاته الشريفة وذلك ليس بمقصود هنا والمقصود ذكره عليه السّلام من حيث وصفه لما مر من أنه مناط المعرفة وليس بمذكور فيما سبق على هذا الوجه .
قوله : وقيل للعلم أو القرآن أو التحويل وهذا بعيد لعدم ملائمته للمشبه به لبعد أن يقال يعرفون العلم كما يعرفون أبناءهم وكذا القرآن والتحويل ولذا قال كما يعرفون أبناءهم يشهد للأول لوجود المناسبة بين المشبه والمشبه به فيه رجوعه إلى القرآن أبعد إذ المناسب حينئذ أن يقال يعرفونه كما يعرفون التورية قال بعضهم وعلى تقدير رجوع الضمير إلى الرسول وجه النظم أن يكون هذا كلاما واردا لتأكيد قوله
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ
[ البقرة : 144 ] لأتينا به على علمهم بأن من نعوته صلّى اللّه عليه وسلّم أنه يصلي إلى القبلتين وهذا كان أوجه من رجوعه إلى تحويل القبلة لئلا يكون تكريرا مجردا لا يقال التكرير للتأكيد فلا فرق بينهما لأن التأكيد يذكر ما هو كالعلة أقوى من التأكيد بالتكرار المجرد روى الإمام عن ابن عباس والمفسرين أن الضمير راجع إلى أمر القبلة يعني أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي تقلبك إليها كما يعرفون أبناءهم وقال الأصل في الضمير أن يرجع إلى أقرب المذكورات وهو العلم في قوله بعد ما جاءك من العلم والمراد بالعلم النبوة كأنه قيل يعرفون أمر النبوة كما يعرفون أبناءهم وأما أمر القبلة فهو ما تقدم ولو كان راجعا إليها لتكرر وقال ناصروه إن نظم الآيات السابقة واللاحقة أحق بالاعتبار من هذه المناسبة على أن المناسبة لم تفت فإنها لتأكيد أمر القبلة أيضا .