قوله : ( وقيل الخطاب فيما سيق لهم وفي هذه الآية تحذيرا عن الاقتداء بهم ) مرضه لكونه خلاف السوق فإن الكلام في توبيخ أهل الكتاب والقول الثاني أضعف منه لأن أسلاف اليهود لم يسبق ذكرهم وما سبق ذكر الأنبياء ( وقيل المراد بالأمة في الأول الأنبياء عليهم السّلام وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى ) .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ]
سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 )
قوله : ( الذين خفت أحلامهم واستمهلوها بالتقليد والإعراض عن النظر يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين ) خفت أحلامهم أي ضعفت ونقصت أحلامهم أي عقولهم جمع حلم وهو العقل السفه في الأصل مطلق الخفة يقال ثوب خفيف إذا كان خفيف النسج قال في تفسير قوله تعالى :
قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ
[ البقرة : 13 ] السفه خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل وهنا أسند الخفة إلى الأحلام وأراد بالخفة نقصانها فلا منافاة غايته أن السفاهة إذا وصف بها الإنسان قد يراد بها ذاته فيكون معناه هو خفيف ليس له وقار ورأيه سخيف ولا إصابة له وقد يراد بالسفاهة سفاهة عقله بمعنى نقصانه وهو المراد هنا والظاهر أن هذا مجاز في النسبة كما يفهم من كلامه السابق ومن كلام البعض قال والسفه خفة في البدن أو في المقال يقتضيها نقصان العقل فيكون إسناده إلى العقل إسناد إلى السبب قوله واستمهنوها أي أذلوا الأحلام بالتقليد لآبائهم وقدمائهم بيان لخفة العقول وإشارة إلى أن المراد بخفة العقول عقول معادهم وأما عقول معاشهم فتام قوله : وفي الثاني أسلاف اليهود والنصارى قال الإمام فإن قيل لم كررت الآية قلنا فيه قولان أحدهما أنه عنى بالآية الأولى إبراهيم ومن ذكر معه وبالثانية أسلاف اليهود قاله الجبائي ثم نقل الإمام عن القاضي بأنه قال هذا بعيد لأن أسلاف اليهود والنصارى لم يجر ذكرهم وموضع الشبهة في هذا القول إن القوم لما قالوا في إبراهيم وبنيه أنهم كانوا هودا فكأنهم قالوا إنهم كانوا على مثل طريقة سلفنا من اليهود فصار سلفهم في حكم المذكورين فجاز أن يقول تلك أمة قد خلت ويعنيهم ولكن ذلك كالتعسف بل المذكور السابق هو إبراهيم وبنوه فقوله تلك أمة يجوز أن يكون عابدا إليهم والقول الثاني أنه متى اختلفت الأوقات في الأحوال والمواطن لم يكن التكرار عبثا فكأنه قال تعالى :
ما هذا إِلَّا بَشَرٌ
[ المؤمنون : 24 ] وصف هؤلاء الأنبياء وما أنتم عليه من الدين لا يسوغ بالتقليد في الجنس فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة فلها ما كسبت وانظروا فيما دعاكم إليه محمد فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم ولا تسألون إلا عن عملكم .
قوله : الذين خفت أحلامهم يعني قليلي العقول قيل السفيه هو الذي يعمل بغير دليل بأن لا يلتفت إليه أو يرى غير الدليل دليلا فسفاهة اليهود أنهم كرهوا التوجه إلى الكعبة لأنهم ما التفتوا إلى الدليل وهو حال النبي ذي القبلتين على ما في التورية وسفاهة المشركين لأنهم رأوا غير الدليل دليلا لقولهم رغب عن قبلة آبائه ثم رجع إليها واللّه ليرجعن إلى دينهم قاسوا الرجوع إلى الدين على الرجوع إلى القبلة .