إذا اجتمعا والقول بأن تجويز الاتصال ليس بجيد لأنه يقتضي وقوع أحد الأمرين والسؤال عن تعيين أحدهما وليس كذلك بل وقعا معا ضعيف لأن ذلك فيما استعمل حقيقة وهنا مجاز نعم احتمال الانقطاع راجح أما أولا فلتوافق القراءتين في المعنى حينئذ وأما ثانيا فلأن أم في الجمل كونها منقطعة أكثر من كونها متصلة وأما ثالثا فلأن كون الأمر الثاني أشنع من الأمر الأول مستفاد من كون أم منقطعة بخلاف الاتصال ثم اعلم أنه على قراءة الغيبة غير داخل تحت الأمر بل مسوق من جهته تعالى إنكارا عليهم وعن هذا يجب حمل بل على الانتقال لأن الإضراب بمعنى صرف الحكم عما قبلها إلى ما بعدها لا يقع في كلام اللّه « 1 » تعالى إلا حكاية وأما كونه من جهته عليه السّلام على نهج الالتفات فليس بحسن .
قوله : ( وقد نفى الأمرين عن إبراهيم بقوله
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا
[ آل عمران : 67 ] واحتج عليه بقوله
وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ
) [ آل عمران : 65 ] وقد نفى الأمرين أي اليهودية والنصرانية لأن قوله بقوله تعالى :
ما كانَ إِبْراهِيمُ
[ آل عمران : 67 ] الآية واحتج بقوله تعالى :
وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ
[ آل عمران : 65 ] الآية كالصريح في كون المراد بالأمرين اليهودية والنصرانية وليس المراد بالأمرين هنا ما مر في قوله بمعنى أي الأمرين « 2 » .
قوله : ( وهؤلاء المعطوفون عليه اتباعه في الدين وفاقا ) المعطوفون عليه من الأنبياء وهم إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط « 3 » اتباعه في الدين وفاقا فإذا نفي الأمرين عن إبراهيم يلزم نفيهما عن المعطوفين عليه .
قوله : وقد نفى الأمرين عن إبراهيم وهو حال من فاعل اعلم المقدر بعد قوله أم اللّه أي أم للّه أعلم ويجوز أن يكون حالا من فاعل أعلم الأول والاستفهام في أأنتم أعلم للإنكار وفي أم اللّه للتقرير أي لستم أعلم بحال إبراهيم في باب الدين بل اللّه أعلم بذلك وقد أخبر اللّه تعالى بنفي اليهودية والنصرانية عنه فلم تدعون له ما نفى اللّه عنه والمراد تجهيلهم في ادعائهم اليهودية والنصرانية على الأنبياء .
قوله : واحتج عليه بقوله وما أنزلت التورية إلى آخره أي واحتج على انتفاء اليهود والنصرانية عن إبراهيم بقوله وما أنزلت التورية والإنجيل إلا من بعده ووجه الاحتجاج به عليه أن اليهودية والنصرانية إنما حدثتا بعد نزولهما فكيف يكون إبراهيم على دين اليهودية والنصرانية ولما ثبت بهذا نفى كون إبراهيم على دينك الدينين قد ثبت أن كلا من هؤلاء المعطوفين وهم أولاده والأسباط منتف عنهم اليهودية والنصرانية لأنهم اتباعه في الدين وفاقا لا قائل وبالفصل فهم في دعواهم هذه على جهل غال ولجاج محض .
هامش
( 1 ) قال صاحب المرآة فلا تقع بل في كلام اللّه تعالى إلا على الحكاية أو على التأويل .
( 2 ) تأتون المحاجة أو ادعاء اليهودية .
( 3 ) والاستفهام في قوله تعالى :أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُلتقرير المخاطب أي أنتم اعترفتم بأنه تعالى أعلم وهو تعالى قد أخبر بنفي الأمرين عن هؤلاء الأنبياء فقولكم باطل فلا إشكال بأن كتمان الشهادة يقتضي علمهم بالبراءة وقوله :أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُيدل على عدم علمهم بها لأنه إنما يقال ذلك فيمن لا يعلم .