قوله : ( ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من اللّه يعني شهادة اللّه لإبراهيم بالحنيفية والبراءة من اليهودية والنصرانية ) لفظة من للاستفهام الإنكارى الوقوعي أي إنكار لأن يكون أحد أظلم وقد مر في تفسير قوله تعالى :
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ
[ البقرة : 114 ] ما يتعلق بهذا المقام وحاصله إنكار لأن يكون أحد من الذين كتموا الشهادة الحق أظلم ممن كتم شهادة ثابتة عنده كائنة من اللّه تعالى وهي شهادته تعالى لإبراهيم عليه السّلام بالملة الحنيفية والبراءة عن اليهودية والنصرانية فعنده صفة لشهادة وكذا من اللّه صفتها فقوله شهادة اللّه إشارة إليه وإنما حذف لفظة من للاختصار لأن الإضافة بمعنى من وإنما اختير في النظم من اللّه لتوسط عنده بينهما وإنما قدم عنده لأنه أهم لكونه مدار الذم واللوم إذ الكتمان المذموم كتمان المكلف ما عنده ولما حذف لفظة من لما ذكرنا قال ومن للابتداء دفعا لتوهم أنها زائدة وأن إسقاطه إشارة إلى زيادته وأيضا يحتمل أن يكون من اللّه حالا من المضمر في عنده لأن الظرف عامل لوقوعه صفة اختاره أبو البقاء واحتمال تعلقه بكتم بتقدير المضاف أي كتم من عباد اللّه تكلف مع جوازه وتعلقه بالشهادة غير جائز لئلا يفصل بين الصلة والموصول بالصفة كذا نقل عن البقاء ووجه أن المصدر منحل بأن مع الفعل وإن حرف موصول والفعل صلته « 1 » .
قوله : ( والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب لأنهم كتموا هذه الشهادة ) لما عرفت فيما سلف من أن الاستفهام الإنكاري في قوة النفي ومعنى التركيب أن أهل الكتاب أظلم من كل أحد الذي يكتم شهادة ما عنده قوله لأنهم كتموا هذه الشهادة إشارة إلى أنهم كتموا هذه الشهادة التي أعظم الشهادات فيكون أشنع الجنايات مع أنهم أثبتوا نقيضها حيث افتروا على الأنبياء وادعوا لهم اليهودية والنصرانية فتضاعف الجنايات فكانوا أظلم من جميع الكاتمين الشهادات .
قوله : ( أو منا لو كتمنا هذه الشهادة وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمد عليه قوله : والمعنى لا أحد أظلم من أهل الكتاب معنى النفي مستفاد من الاستفهام في ومن أظلم الواقع للإنكار وعموم النفي من وقوع لفظ العموم وهو من سياق النفي المدلول عليه بالإنكار .
قوله : أو منا يعني يحتمل أن يكون المراد من في ومن أظلم أهل الكتاب أو المؤمنين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وفي الكشاف ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من اللّه أي كتم شهادة اللّه التي عنده أنه شهد بها وهي شهادته لإبراهيم بالحنيفية ويحتمل معنيين أحدهما أن أهل الكتاب لا أحد أظلم منهم لأنهم كتموا هذه الشهادة وهم عالمون بها والثاني أنا لو كتمنا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منا فلا نكتمها .
قوله : وفيه تعريض بكتمانهم شهادة اللّه لمحمد بالنبوة فهو كقوله عز وجل :
لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
[ الزمر : 65 ] تعريضا لحبط عمل المشركين بسبب إشراكهم وقوله تعالى :
وَما
هامش
( 1 ) عطف على إسماعيل إن أريد بالأسباط الأنبياء منهم أو على الأنبياء إن أريد التعميم كما هو الظاهر .