تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 301

مساهمون:

ص٣٠١
قوله : ( وفائدة تقديم الإخبار به توطين النفس وإعداد الجواب « 1 » ) به وهذا يفيد أن هذه الآية كما قدمت في التلاوة على
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ
[ البقرة : 144 ] الآية فهي أيضا مقدمة في النزول كما تقتضيه صيغة المضارع مع السين وقال القرطبي سيقول بمعنى قال للدلالة على أنهم يستمرون على ذلك القول واختاره القفال وصرح به في المعالم لكن قوله : وفائدة تقديم الإخبار به توطين النفس أي توطين نفس السامع وإعدادها للجواب أي جعل النفس معدة للجواب وفي الكشاف فائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه أن مفاجأة المكروه أشد والعلم به قيل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع لما يتقدمه من توطين النفس وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه اقطع للخصم وارد لشغبه وقبل الرمي يراش السهم قال صاحب الانتصاف ولهذا أدرج النظار في أثناء مناظرتهم العمل بالمقتضى الذي هو كذا السالم عن معارضته كذا فيسلفون درء المعارض قبل ذكر الخصم له وقوله قبل الرمي يراش السهم مثل نضرب في تهيئة الآلة قبل الحاجة إليها قال الإمام أما قوله سيقول السفهاء ففيه قولان أحدهما أن هذا اللفظ وإن كان للمستقبل ظاهرا لكنه قد يستعمل في الماضي أيضا كالرجل يعمل عملا فيطعن فيه بعض أعدائه فيقول أنا أعلم أنهم إذا ذكروه مرة فسيذكرونه مرات أخر فصح على هذا التأويل أن يقال سيقول السفهاء من الناس ذلك وقد وردت الأخبار أنهم لما قالوا ذلك نزلت الآية القول الثاني إن اللّه تعالى أخبر عنهم قبل أن ذكروا هذا الكلام أنهم سيذكرونه وفيه فوائد أحدها أنه صلّى اللّه عليه وسلّم إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه كان هذا إخبارا عن الغيب فيكون معجزا وثانيها أنه تعالى إذا أخبره عن ذلك أولا ثم سمعه منهم فإنه يكون تأذية من هذا الكلام أقل مما يكون إذا سمعه منهم أولا وثالثها أن اللّه تعالى اسمعه ذلك أولا ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم منهم يكون الجواب حاضرا وكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضرا إلى هنا كلامه اختار المص وصاحب الكشاف من هذين القولين القول الثاني لما أنه الظاهر والتأويل الذي ذكر في القول الأول خلاف الظاهر ثم قال الإمام فهذا اللفظ يمكن حمله على اليهود وعلى المشركين وعلى المنافقين وعلى جملتهم ولقد ذهب إلى كل واحد من هذه الوجوه قوم من المفسرين فأولها قال ابن عباس ومجاهدهم اليهود لأنهم كانوا يأنسون بموافقة الرسول لهم في القبلة وكانوا يظنون أن موافقته في القبلة ربما تدعوه أن يصير موافقا لهم بالكلية فلما تحول عن تلك القبلة استوحشوا لذلك واغتموا وقالوا قد عاود إلى طريقة آبائه واستوحش واشتاق إلى دينهم ولو ثبت على قبلتنا لعلمنا أنه الرسول المنتظر المبشر به في التورية فقالوا ما حكى اللّه عنهم في هذه الآية وثانيهما قال ابن عباس والبراء بن عازب والحسن والأصم أإهم مشركوا العرب وذلك لأنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان متوجها إلى بيت المقدس حين كان يملكه المشركون وكانوا يتأذون منه بسبب ذلك فلما جاء إلى المدينة وتحول إلى الكعبة قالوا أبى إلا الرجوع إلى موافقتنا ولو ثبت عليه لكان أولى به وثالثها أنهم هم المنافقون وهو قول السدي وهؤلاء إنما ذكروا ذلك استهزاء من حيث يتميز بعض الجهات عن بعض بخاصية معقولة تقتضي تحويل القبلة إليها وكان هذا التحويل مجرد العبث والعمل بالرأي والشهوة ثم قال وإنما حملنا لفظ السفهاء على المنافقين لأن هذا الاسم مختص بهم لأنه قال تعالى :
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ
[ البقرة : 13 ] ورابعها أنه يدخل فيه الكل لأن لفظ السفهاء لفظ العموم ودخل فيه الألف واللام .
هامش
( 1 ) ولكونه معجزة حيث أخبر أولا قبل وقوعه فيكون إخبارا عن الغيب .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 301 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر