تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 294

مساهمون:

ص٢٩٤
قوله : ( فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا ) تفريع على القصر والتعبير بالإكرام إشارة إلى كونه تفضلا وأما الأعمال فهي سبب عادي . قوله : ( كأنه ألزمهم على كل مذهب ينحتونه إفحاما وتبكيتا ) كأنه ألزمهم على كل مذهب من مذهب الحق من أن النبوة بفضل من اللّه تعالى ومذهب الحكماء من أنها تدرك بالمجاهدة وتصفية الباطن والظاهر من سوء الاعتقاد والأخلاق وسيئ الأعمال والشقاق الأول مفهوم من قوله
رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
[ البقرة : 139 ] والثاني مستفاد من قوله تعالى :
وَلَنا أَعْمالُنا
[ البقرة : 139 ] الآية ومعنى ينحتونه بالمهملة بمعنى يعتمدونه ويقصدون وإنما قال كأنه الخ لأن ذلك غير مقطوع به وكلا القولين بناء على المذهب الحق والوصول إلى النبوة بالأعمال الصالحة والفضائل القدسية موافق لما هو الثابت في الشرع قال المص في تفسير قوله تعالى :
وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
[ الزخرف : 31 ] فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ولم يعلموا أنها رتبة روحانية تستدعي عظيم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية انتهى ولا ريب أن مراده بذلك قبل الرسالة فلما ثبت ذلك في الشرع القويم فأي سبب يحوجك إلى رأي الفلاسفة في تفسير القرآن العظيم . قوله : ( فإن كرامة النبوة إما بفضل من اللّه على من يشاء والكل فيه سواء وإما بإفاضة حق على المستعدين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص وكما أن لكم أعمالا ربما يعتبرها اللّه في إعطائها فلنا أيضا أعمال ) إأما تفضل أي النبوة ليست بمكتسبة كما صرح به شراح البخاري قال القسطلاني في شرح قوله عليه السّلام ثم حبب إليه الخلاء وخلوته عليه السّلام لأجل التقرب لا على أن النبوة مكتسبة وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه وأما قوله وإما إفاضة حق على المستعدين لها فبناء على مذهب الحكماء إفحاما وتبكيتا كما صرح به لكن حمل القرآن الكريم على اصطلاح الفلاسفة مما لا ينبغي أن يتجاسر عليه وإن كان الغرض الإلزام والإسكات وإفاضة حق على المستعدين لها لا يخالف مذهب الحق لما مر مرارا أن للأنبياء قبل النبوة استعدادا لها لكن ذلك الاستعداد بفضل اللّه تعالى أيضا كالنبوة وقد عرفت مما ذكرناه سابقا . قوله : فإن كرامة النبرة الخ تعليل لكون الآية الزاما لهم وتبكيتا على كل مذهب تقريره بأن تكريم اللّه تعالى أحدا بالنبوة إما تفضل منه تعالى مع قطع النظر عن استعداده واستحقاقه له بعمل وإما إفاضة ما ينبغي لمن ينبغي هو له ويستحق به بعمله فإن كان الأول لا معنى لمحاجتكم فيه لأن ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء والكل فيه سواء وهذا المعنى مستفاد من قوله
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
[ البقرة : 139 ] وإن كان الثاني فإنا احقاء به بأعمالنا ولا استحقاق لكم به فلا معنى لمحاجتكم أيضا وهذا هو المدلول عليه بقوله تعالى :
وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
[ البقرة : 139 ] فحصل من التقسيم الحاصر بين القسمين أن لا جدوى لمحاجتهم في دين اللّه ولا معنى لها قطعا وبذلك افحموا لعلمهم بذلك أن طرق المحاجة والمجادلة قد انسدت عليهم .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 294 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر