موسى عليه السّلام وأكثر الأنبياء عليهم السّلام بعده مأمورون باتباعه وعاملون بالصحف التي نزلت على إبراهيم عليه السّلام قال المص في سورة مريم في تفسير قوله تعالى
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ
[ مريم : 54 ] الآية يدل على أن الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته عليه السّلام بقي الكلام أن بقاء إمامته ببقاء إمامة أولاده هل هو حقيقة أو مجاز والظاهر هو الثاني .
قوله : ( قال ) استئناف كأنه قيل فماذا قال إبراهيم عليه السّلام عنده فقيل قال ولذا ترك العطف .
قوله : ( عطف على الكاف أي وبعض ذريتي كما تقول وزيدا في جواب سأكرمك ) ومن تبعيضية متعلقة بجاعل أي وجاعل بعض ذريتي قوله وبعض ذريتي إشارة إليه كما تقول وزيدا في جواب سأكرمك وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن هذا مثل عطف التلقين في الرجاء من اللّه تعالى أن يلحقه بما يعطفه على كلامه إذ قيل في تحقيق عطف التلقين أن من يأتي بهذا العطف يرجو من المخاطب أن يتكلم بما يعطفه على كلامه كأنه تتمة لذلك الكلام فإذا وقع من المخاطب موقع قبول كان المخاطب كأنه القائل بذلك وما وقع في القرآن من مثل هذا لا يقال إنه عطف التلقين لأنه نوع إساءة الأدب بل يقال إنه كعطف التلقين ولا محزور في التشبيه تفهيما للسامعين بما يكون معروفا عند المحققين ولما كان فيه مبالغة إذ قد عرفت أنه جعله من تتمة كلام المتكلم رجاء كأنه متحقق قبل المعطوف عليه جعل نفسه كالنائب من المتكلم لم يذهب إلى أنه متعلق بمحذوف أي واجعل فريقا من ذريتي إماما لا لكونه احترازا عن صورة الأمر فإن أكثر الدعاء بصيغة الأمر فكيف يحترز عنه بل لانتفاء المبالغة المعتبرة في البلاغة ولو ذهب إليه وقال إنه متعلق بمحذوف أي واجعل فريقا الخ تضرعا وسؤالا كسائر الأدعية لكان حسنا لكن ما اختاره أحسن ونقل عن المص في الحواشي أنه كعطف التلقين وعنه في قوله ومن كفر فأمتعه أنه عطف تلقين وقال راعيت الأدب في الأول تفاديا عن جعله تعالى ملقنا انتهى وأما القول بأنه كيف يكون المعطوف مقول قائل آخر فجوابه ما مر من أنه جعل المعطوف من تتمة كلام المتكلم رجاء بإلحاقه بكلامه وجعل نفسه « 1 » نائبا عنه ثم ذكروا أن التلقين ورد بالواو وغيرها من الحروف قوله : عطف على الكاف أي وبعض ذريتي معنى البعضية مستفاد من كلمة من نقل عن صاحب الكشاف أنه كعطف التلقين كان إبراهيم عليه السّلام يلقن ويقول واجعل بعض ذريتي لكنه عدل عن ذلك إلى المنزل الأوجه من المبالغة حيث جعله من تتمة كلام المتكلم ولأن فيه ما في المعدول عن لفظ الأمر من المبالغة في الثبوت ومن مراعاة الأدب في التفادي عن صورة الأمر وفيه من الاختصار الواقع في موقعه ونظير هذا العطف ما روى الشيخان عن ابن عمر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول اللّه قال اللهم ارحم المحلقين قالوا والمقصرين يا رسول اللّه قال والمقصرين .
هامش
( 1 ) قال المص في تفسير قوله تعالى :وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍوهذا الكلام ورد على لسان الرسول عليه السّلام فكيف ينكر كون المعطوف مقول قائل آخر بعد ورود هذا البيان من اللّه الملك المنان .