استقلاله في الدلالة على الفساد وأنه دليل إلزامي وأن الأولين حجة وأما على الوجه الأول فقوله
كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ
[ البقرة : 116 ] جملة تذييلية مقررة لما قبله فلا دلالة في الآية على فساده من ثلاثة أوجه بل الدلالة من وجهين على ما فهم هنا أو من وجه واحد كما يستفاد من تقريره سابقا .
قوله : ( واحتج بها الفقهاء على أن من ملك ولده عتق عليه لأنه تعالى نفى الولد بإثبات الملك وذلك يقتضي تنافيهما ) من ملك بأي سبب كان عتق عليه أي عتق بلا إعتاق صريح ونفس المالكية إعتاق له لأنه نفي الولد بإثبات الملك الخ وهذا يقتضي عدم ملك الولد لتنافيهما فكيف يقال إن من ملك ولده عتق عليه بلا اختيار فتأمل في جوابه قيل مبني تضمنه الاحتجاج بالوجه الأول يعني قوله
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ
على ثبوت التنافي بين ولدية أحد لآخر ومملوكيته له إذ لا تصريح بهذا فيما ذكر فالاحتجاج على أن من ملك قوله : واحتج بها الفقهاء الخ وجه الاحتجاج أن الآية دلت على أن الولد لا يكون ملكا للوالد لإفادتها كون أن ما في السماوات والأرض له تعالى ينافي اتخاذ شيء منها ولدا لأنها نزلت للاستدلال بها على نفي ذلك فلما دلت على ذلك علم أنهم في ما ادعوا أن الملائكة بنات اللّه وعزير والمسيح أبناء على فساد بين وبطلان ظاهر فمحصل ما في الآية من الاستدلال على فساد قولهم ذلك راجع إلى القياس الاقتراني الواقع على طريقة الشكل الأول وصورة القياس هكذا كل ما في السماوات والأرض ملك له تعالى وكل ما هو ملك له تعالى فهو مخلوقه تعالى فأنتج كل ما فيهما فهو مخلوقه تعالى وإذا ثبت أن ما فيهما مخلوق اللّه تعالى ثبت أن ما فيهما لا يكون ولدا له تعالى لأن كل ولد يجانس الوالد ولا شيء من المخلوق يجانس الخالق ومن جملة ما خلق اللّه تعالى الملائكة وعزير والمسيح فكل من هؤلاء ليس ولدا له تعالى وهو المطلوب والمسيح .
قوله :
أمن ريحانة الداعي السميع * يؤرقني وأصحابي هجوع
البيت لعمرو بن معدي كرب وريحانة علم للحبيبة وهي أخت دريد عشقها عمرو وأغار عليها ثم التمس دريد أن يتزوجها عمرو فأجاب بقوله أمن ريحانة البيت والداعي داعي شوق داع يدعوني ويسمعني الصوت فإيراد السميع ترشيح للاستعارة شبه جذب الشوق بدعوة الداعي ثم استعمل الدعوة في الجذب ثم سرت الاستعارة إلى المشتق الذي هو الداعي ثم لما سمي الشوق الجاذب باسم الداعي رشحه بوصفه بالسميع بمعنى المسمع صوته فهذا من باب الاستعارة المصرحة التبعية الترشيحية ويؤرقني أي يوقظني حال من الداعي وأصحابي هجوع حال أخرى أي يوقظني وأصحابي نيام من هجع إذا نام والهجوع هنا جمع هجيع والهجوع أيضا مصدر وهو لا يناسب المقام إلا أن يراد المبالغة قيل فيه نظر لأنا لا نسلم أن السميع ههنا بمعنى المسمع وغاية ما في الباب أن داعي الشوق مسمع لدعائه وصورته لكن لا ينافي أن يكون سميعا لجوابه وأقله أن يكون سميعا لخطابه ولئن سلمناه لكن لا يلزم أن يكون البديع بمعنى المبدع فإن فعيلا يعني مفعل شاذ لا يقاس عليه .