من قبيل الكلي المشكك فيجوز اعتبار التفضيل بينهم كأن يقال من منع مساجد اللّه أظلم ممن عداه « 1 » سوى المفتري على اللّه فإنه أظلم ممن منع وقس عليه ما عداه والتعيين موكول إلى ذهن المتفطن وكذا الكلام في القربات نحو التسبيح أفضل وكلمة التوحيد أفضل والحمدلة أفضل كما ورد في الحديث الشريف وما ذكرناه خلاصة ما ذكره الشراح للحديث فتأمل وكن على بصيرة « 2 » .
قوله تعالى :
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 114 ]
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعى فِي خَرابِها أُولئِكَ ما كانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوها إِلاَّ خائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 114 )
قوله : ( عام لكل من خرب مسجدا أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة ) بالهدم أو التعطيل يعني أن الحكم عام يشمل كل مخرب ومعطل إلى قيام الساعة لما مر غير مرة أن من الشرطية والاستفهامية نصان في العموم وإن كان سبب النزول جماعة مخصوصين من المخربين والمعطلين إذ العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما تقرر في الأصول وفي قوله مسجدا دون المساجد إشارة إلى أن المراد تخريب مسجد « 3 » واحد والجمع إما باعتبار انقسام الآحاد على الآحاد أو المراد بالجمع الجنس كالجمع المحلى باللام حيث لا عهد ولا حسن للاستغراق وقدم هنا من خرب مع أنه آخر في النظم إذ التخريب بالهدم أشنع والتأخير في النظم الشريف لاختيار مسلك الترقي أو التخريب عام له وللتعطيل فح قوله أو سعى في تعطيل مكان للإشارة إلى تخصيص التخريب بالهدم وفي كلامه التقديم والتأخير إذ الظاهر أن من خرب إشارة إلى قوله وسعى في خرابها وقوله أو سعى في تعطيل الخ . إشارة إلى من منع مساجد اللّه وأطلق التخريب هنا وقيد هناك بالهدم أو التعطيل ففي تقريره نوع خدشه .
قوله : ( وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله ) في المعالم الآية نزلت في ططيوس بن استيابوس الرومي وأصحابه وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم وحرقوا التورية وخربوا بيت المقدس وقذفوا الجيف وذبحوا فيه الخنازير وكان خرابا إلى بناء المسلمين في أيام عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه قيل قوله : من عام لكل من خرب مسجدا ولا ينافيه خصوص سبب نزول الآية فهو كما تقول لمن آذى صالحا واحدا ومن أظلم ممن آذى الصالحين وكما قال تعالى
وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ
[ الهمزة : 1 ] والمنزول فيه الأخنس بن شريق وكذا المساجد عام لأن الجمع إذا أضيف صار عاما ليتطابقا فإن كان الممنوع منه ذكر اللّه مسجدا معينا وهو المسجد الحرام أو بيت المقدس والحديبية موضع على طريق مكة وصل إليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فمنعه المشركون عن الدخول في المسجد الحرام .
هامش
( 1 ) كقوله تعالى :وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها[ الكهف : 57 ] الآية .
( 2 ) وأما الإشكال بأن المشرك أظلم ممن منع فجوابه أن المراد بالمانع الكافر إذ الكلام فيه أو المنع على طريق المذكور كفر وإن لم يكن على إطلاقه كفرا .
( 3 ) إذ الأظلمية تتحقق بتخريب مسجد واحد ولا يتوقف على تخريب مسجدين فضلا عن المساجد .