قوله : ( أخلص له تعالى نفسه ) لا يشرك به شيئا شركا جليا أو خفيا فإن الإسلام مع الإشراك كلا إسلام ولذا لم يحمل الإسلام على معنى الإيمان بل حمل على معنى الإخلاص من سلم الشيء لفلان إذا خلص له وهذا مستلزم للإسلام المصطلح اقتضاء .
قوله : ( أو قصده ) عطف على نفسه أي أخلص له قصده لا يشوب قصده قصد غيره بترك الإشراك فالمعنى متحد مراده الإشارة إلى أن الوجه مجاز مرسل عن النفس بعلاقة الكلية والجزئية والشرط وهو كون الكل أو المقصود بحيث ينتفي بانتفاء ذلك الجزء متحقق وتخصيص الذكر به لأنه أشرف الأعضاء ومجمع الحواس وموضع السجود الذي يكون العبد به أقرب إلى ربه ومظهر آثار الخشوع والخضوع الذي هو من روادف الإخلاص فجمعهما من قبيل مراعاة النظير وإشارة إلى أن الوجه مجاز أيضا عن القصد لأن القصد إلى الشيء موجه له .
قوله : ( وأصله العضو ) مأخوذ من المواجهة لكونه مقابلا للإنسان ثم استعير للمقابل من كل شيء وهنا استعير للنفس وجوز المصنف كونه مجازا للقصد كما عرفته ويجوز العلاقة المقابلة وهي في المستعار منه وهو الوجه ظاهر وأما في المستعار له قوله : اخلص له نفسه أو قصده وأصله العضو معنى الإخلاص مستفاد من قوله للّه ومن قوله أسلم لأن المعنى جعل نفسه سالما من الشرك والرياء خالصا لوجه اللّه ومن قول محسن لأن معنى الإحسان في العمل أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك والوجه قد يذكر ويراد به الذات كما في قوله سبحانه
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ] ولذا عبر عنه في تفسيره بالنفس حيث قال رحمه اللّه من أخلص له نفسه فيكون مجازا من باب اطلاق اشرف الأجزاء على الكل وقد يراد به القصد والنية فعلى هذا يكون تجوزا عن المجاز حيث اطلق الوجه أولا على النفس ثم أريد بالنفس ما فيها من النية والقصد ذكرا للمحل وإرادة للحال فيه قال الراغب أصل الوجه العضو المقابل فاستعير للمقابل من كل شيء حتى قيل واجهته ووجهته وقيل للقصد وللمقصد وجه وعلى ذلك أسلم وجهه للّه ووجهت وجهي قيل الوجه في هذه المواضع العضو مستعار للذات وقوله أسلم وجهه أي نفسه قال الإمام وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه أحدها لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الفكر والحس والتخيل فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى وثانيها أن الوجه قد يكنى به عن النفس قال
كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ
[ القصص : 88 ]
إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى
[ الليل : 20 ] وثالثها أن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خص الوجه بالذكر ومعنى للّه خالصا لا يشوبه شرك فلا يكون عامدا مع اللّه غيره أو معلقا رجاءه بغيره وفي ذلك دلالة على أن المرء لا ينتفع بعلمه إلا إذا فعله على وجه العبادة في الإخلاص والقربة وهو محسن أي لا بد وأن يكون تواضعه للّه بقول حسن لا بفعل قبيح فإن الهند يتواضعون للّه لكن بأفعال قبيحة وموضع قوله وهو محسن موضع حال ثم بين أن من جمع بين هذين فله أجره عند ربه يعني به الثواب العظيم لا يلحقه خوف ولا حزن أما الخوف فلا يكون إلا من المستقبل وأما الحزن فقد يكون من الواقع والماضي كما قد يكون من المستقبل فنبه تعالى بالأمرين على نهاية السعادة لأن النعيم إذا دام وكثر وخلص من الخوف والحزن ولا يحزن صاحبه على أمر فاته ولا على أمر يناله ولا يخاف انقطاع ما هو فيه فقد بلغ النهاية .