إنها نزلت في أهل الكتاب الخ أو في المشركين فإن التبدل المذكور لا ينتظم إلا للمؤمنين ولك أن تقول إن الشرط هنا وإن لم يكن سببا للجزاء نفسه لكنه سبب عن الإخبار به مثل قوله تعالى :
وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ
[ النحل : 53 ] وأيضا إن تبدل الكفر بالإيمان سبب في الذهن أي علمه سبب لعلمه وإن لم يكن سببا له خارجا وعموم سببية الشرط للجزاء إلى الذهن والخارج مما أشار إليه العارف الجامي في بحث كلم المجازاة تدخل على الفعلين « 1 » كما يعم مثل إن تشتمني أكرمك حيث إعتبر المتكلم نسبة بينهما بها يصح أن يوردهما في صورة السبب والمسبب كإظهار مكارم « 2 » الأخلاق .
قوله : ( ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا وسط السبيل ) معنى منفهم من قوله تعالى :
أَمْ تُرِيدُونَ
[ البقرة : 108 ] إذ الاستفهام لإنكار الوقوع وحاصله لا تقترحوا وقد عرفت أن النهي لا يقتضي وقوع المنهي عنه وهنا كذلك إذا قيل إن الخطاب للمؤمنين فتضلوا وسط السبيل جواب النهي ولذا صار مجزوما وتأويله لا يقع منكم اقتراح ولا ضلال .
قوله : ( ويؤدي بكم الضلال إلى البعد عن المقصد وتبديل الكفر بالإيمان ) الضلال السؤال الذي ذكره إن كان طلبا للمعجزات فمن أين علم أنه كفر ومعلوم أن طلب الدلائل على الشيء لا يكون كفرا ولو كان ذلك طلبا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام فهذا أيضا لا يكون كفرا فإن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقة البشر ولم يكن ذلك كفرا فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة وإن كانوا طلبوا المعجزات فإنهم كانوا يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال واللّه أعلم .
قوله : ومعنى الآية لا تقترحوا فتضلوا الخ أقول ليس معنى الآية بحسب ما يستفاد من هذه الشرطية ما ذكره بل معناها لا تقترحوا فتبدلوا الكفر بالإيمان ويؤدي الكفر إلى الضلال عن وسط السبيل على ما أفاده الفاء الجزائية الدلالة على أن الشرط سبب للجزاء وتقرير القاضي رحمه اللّه مبني على أن ما وقع في حيز الجزاء سبب للشرط ويمكن أن يقال مراده أن قوله سبحانه ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل جملة شرطية وقعت بيانا لحال المقترحين فوضع لفظ من موصولا بصلته في موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بأن اقتراحهم ذلك سبب كفر وضلال فجعل الاقتراح المستفاد من الآية السابقة في معرض الشرط حيث قال لا تقترحوا وجعل مضمون هذه الشرطية في موقع الجزاء فقال فضلوا فمعنى قوله لا تقترحوا فتضلوا أن تقترحوا تضلوا فمقصوده بيان ما حصل من مجموع الآيتين لا بيان معنى هذه الشرطية القائلة
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
الآية فقوله
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
تذييل وفسره بترك الثقة بالآيات المنزلة على العموم ليدخل المنزل الذي هو القرآن فيه دخولا أوليا ولا ينافي التعبير بلفظ العموم وضعه موضع الضمير لدخول المقترحين تحته أولا وبالذات لأن الكلام مسوق لهم .
هامش
( 1 ) حيث قال ولا يلزم أن يكون الفعل الأول سببا حقيقيا للثاني لا خارجا ولا ذهنا بل ينبغي أن يعتبر النسبة بينهما بها يصح أن يوردهما في صورة السبب والمسبب .
( 2 ) يعني أنه من مكارم الأخلاق بمكان يصير الشتم الذي هو سبب الإهانة عند الناس سبب الإكرام عنده وقس عليه مثله .