أي للإضراب عن تحريضهم على العمل بموجب علمهم « 1 » بما ذكر عند ظهور بعض أمارات المسامحة في ذلك وتنزيل علمهم بمنزلة العدم لعدم جريهم على مقتضى العلم إلى التحذير من ذلك وهذا أولى من القول إنها للإضراب عن عدم علمهم بكونه قادرا على الكمال يأمر وينهى كما أراد إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود وإنكار عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع إذ لا معنى للإضراب عن عدم علمهم إلا ما ذكرنا من أنه للإضراب عن تحريضهم على العمل ومعنى الإضراب هنا الانتقال لا الإبطال بل انتقال من المهم إلى الأهم .
قوله : ( والمراد أن يوصيهم بالثقة به وترك الاقتراح عليه ) أي توصية المسلمين بالثقة بالرسول وقوله وترك الاقتراح عليه لم يقل وترك إرادة الاقتراح عليه للإشارة إلى أن توجيه الإنكار التوبيخي أو الوقوعي للمبالغة في إنكار متعلقاتها ببيان أن إرادة ذلك قبح فضلا عن قبح متعلقاتها الظاهر أن ذلك الاقتراح لم يصدر منهم فإن هذا القول أي
أَمْ تُرِيدُونَ
[ البقرة : 108 ] الآية بمنزلة لا تقترحوا كما قال والمعنى لا تقترحوا فتضلوا وقد بين في محله أن النهي عن الشيء لا يقتضي سابقة وقوع المنهي كيف لا وهو كفر كما يدل عليه قوله تعالى :
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ
[ البقرة : 108 ] الآية وإنما نهوا عنها لأن طعن المشركين أو اليهود ورده في النسخ لما كان مظنة أن لا يكونوا فيما أنزل إليهم من القرآن بالثقة التامة بالرسول عليه السّلام ولعلهم يكادون أن يطلبوا بيان الحكمة الداعية إلى النسخ على التفصيل نهى اللّه تعالى عن إرادة ذلك فضلا عن نفس الاقتراح صونا لهم عن الوقوع في مثل تلك المفسدة وهو اللائق لمنصب الصحابة والمفهوم من تقرير المص ونقل صاحب الإرشاد مولانا أبو السعود قيل لعلهم كانوا يطلبون منه عليه السّلام بيان تفاصيل الحكمة الداعية إلى النسخ وقيل سأله عليه السّلام قوم من المسلمين أن يجعل لهم ذات أنواط كما كانت للمشركين وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها المأكول والمشروب انتهى . فقال رسول اللّه عليه السّلام سبحان اللّه هذا ما قال قوم موسى
اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ
[ الأعراف : 138 ] ولا يخفى عليك أن مثل هذا الكلام لا يليق أن يحرر في توضيح المقام فالصواب ما قررناه على ما فهم من كلام المص وحاصل المعنى بل أتريدون أن تسألوا رسولكم بعد إيقانكم به وبشأنه الرشيق على أن الاستفهام للإنكار لا للواقع بل للوقوع مع الترغيب في ثباتهم على عدم التصدي لذلك .
قوله : ( قيل نزلت في أهل الكتاب حين سألوا أن ينزل اللّه عليهم كتابا من السماء ) أي قوله : وقيل نزلت في أهل الكتاب اعلم أن العلماء اختلفوا في أن المخاطبين بقوله تعالى
أَ لَمْ تَعْلَمْ
[ البقرة : 106 ]
وَما لَكُمْ
[ البقرة : 107 ]
أَمْ تُرِيدُونَ
منهم فقال قوم هم المؤمنون واستدلوا عليه بوجوه الأول أنه تعالى قال في آخر الآيات ومن يتبدل الكفر بالإيمان وهذا
هامش
( 1 ) وهذا مؤيد لما سبق من أن الخطاب للنبي عليه السّلام للتشريف لا لكونه مقصودا بالخطاب لأنه عامل بموجب علمه وقد أشرنا إليه هناك .