مكية بهذه المؤيدات لا وجه لما قيل من أن هذا معارض بما روى النسائي بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن السبع المثاني هي السبع الطوال أعني السور من أوائل البقرة إلى آخر الأعراف ثم براءة وقيل يونس على ما ذكره الشيخ شهاب الدين بن حجر في فتح الباري فإن للموقوف في أمثاله حكم المرفوع أما أولا فلأن الموقوف وإن كان في حكم المرفوع لا يقاوم المرفوع وأما ثانيا فلأن رواية البخاري أرجح وأما ثالثا فلأن كون المراد به سورة الفاتحة مؤيد بما ذكرنا حتى يكاد أن يكون مجمعا عليه فكيف يدعي المعارضة ولذا مرض المصنف في تفسير هذه الآية ما سوى هذا الاحتمال وأما القول بأن مجرد كون الآية مكية لا يستلزم كونها نازلة بمكة قبل الهجرة إلى المدينة فمدفوع بأن المراد هنا كنا سبق أشهر الاصطلاحات فيستلزم كونها نازلة قبل الهجرة وما وقع في التيسير من أن سورة البقرة مدنية إلا آية منها نزلت يوم النحر في منى في حجة الوداع فبناء على الاصطلاح الغير المشهور وهو أن يكون المكي ما نزل بمكة والمدني ما نزل بالمدينة وما نزل في غيرهما خارج عنهما واسطة بينهما وتجويز كون آتيناك في الآية الكريمة من قبيل ونادى أصحاب الجنة احتمال عقلي لا عن دليل فلا يعبأ به نعم ثبوت كون الفاتحة مكية بهذه المؤيدات لا ينافي نزولها مرة أخرى في المدينة لكن لا بد من بيانه بالدليل ولم يثبت عند المصنف ولذا لم يرض به وغرضه بهذا الاستدلال رد قول نزولها بالمدينة فقط لا نزولها مرة أخرى ثم قوله بالنص ساقط من بعض النسخ وعلى تقدير ثبوته فالمراد به الأثر كما مر « 1 » فما قاله بعض الأفاضل من أن المراد به أن ما قبله وما بعده إلى آخر السورة أي سورة الحجر في حق أهل مكة ضعيف إما أولا فلأنه استدلال بالمعقول المستنبط من المنقول ومثل هذا لا يعد نصا واستوضح ببرهان التمانع المقتبس من مشكاة أنوار قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ
[ الأنبياء : 22 ] الآية وإما ثانيا فلأن قوله إن ما قبله وما بعده في حق أهل مكة لو سلم كونه في حق أهل مكة لا يستلزم كون الآية مكية كما مر توضيحه وتجويز كون مبنى كلامه على اصطلاح ثالث يؤدي إلى تخليط الاصطلاحات في التقريرات والتحريرات وبعد تبين أن مراده بالمكي والمدني على الاصطلاح المشهور لا وجه لحمل كلامه على الاصطلاح الغير المشهور .
[ سورة الفاتحة ( 1 ) : الآيات 1 إلى 7 ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 )
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ( 5 )
اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ( 6 ) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ( 7 )
قوله تعالى :
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
قوله : ( هي من الفاتحة ومن كل سورة وعليه قراء مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك رحمه اللّه تعالى والشافعي ) أي جزء منها وإن اختلف في أنها آية تامة وبعض آية وما
هامش
( 1 ) أشار إلى أن المراد بالنص ليس ما هو مصطلح أهل الأصول بل بمعنى الدليل قال صاحب المرقاة وقد يطلق النص على مطلق اللفظ لاشتمال المقال على زيادة أيضا حينئذ بالنسبة إلى الحال ويطلق أيضا على لفظ القرآن والحديث .