غضبان ممتلئا على إهابه * أني وربك سخطه يرضيني
هذا بناء أن يسبني صفة اللئيم فإن لامه للعهد الذهني إذ لا يصح أن يراد الحقيقة من حيث هي هي ولا جميع الافراد إذ لا مرور عليه في نفس الأمر وادعاء ذلك للمبالغة باردة وإن صح في مقام الخطابيات فلا يعبأ به ولا يراد فرد معين لعدم القرينة عليه ولقصوره عن إفادة ما هو المقصود وهو الاتصاف بكمال الحلم والاناءة والوقار في مقام يطيش فيه ذوو النهى الضعيفة ولا يصبر عليه إلا أرباب الأحلام الكاملة وهذا لا يناسبه الحمل على فرد معين أو أفراد معينة فالمراد الحقيقة من حيث وجودها في ضمن أفراد مبهمة غير معينة واختير كونه صفة لا حالا إذ المعنى ليس على تقييد المرور بحال السب بل على أن له مرورا مستمرا في أوقات متعاقبة على لئيم من اللئام معتاد بسبه سواء كان وقت المرور أو غيره ومع ذلك يعرض عنه مع الاقتدار منه على الانتقام فإنه أدل على إغماضه عن السفهاء وقيل أيضا إذ اعتبر حالا يتبادر منه الإعراض في حال السب فيفوت المبالغة إذ يحتمل أن يعرض عنه في حال السب لمانع ثم يكافيه وينتقم منه بعد ذلك فلا يحصل التمدح بالحلم والوقار وفيه نظر أما أولا فلأن المقيد هو المرور لا الإغضاء وأما ثانيا : فلأن قوله ثمة قلت لا يعنيني يدفع الاحتمال وإن سلم أن المتبادر من تقييد المرور بالحال تقييد الإغضاء بها مع أن ورود المنع جلي واضح وأمر بمعنى مررت وكذا يسبني وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية أو للاستمرار التجددي أي وقع المرور مني والسب منه في الماضي أنا وهو في صدد ذلك في المستقبل لشدة شكيمته وخبث طبعه وفرط تحملي قيل : فمضيت وقلت بمعنى أمضي وثمة أقول عبر بالماضي للدلالة على الوقوع انتهى ولا يظهر وجهه إذ حمل أمر ويسبني على حكاية الحال الماضية يأبى عنه وتختص زيادة التاء في ثمة بعطف الجمل عند المازني وخالفه بعض النحاة فيه وهي هنا للتراخي في الرتبة أي ترقيت في عدم المجازاة إلى مرتبة أعلى وقلت لا يعنيني بذلك السب فكأنه نسي نفسه في تلك الحالة وتصورها بصورة أخرى تكرما وصفحا ولا كلام في حسن هذا التوجيه لكن الحمل على الحقيقة ممكن ولا يصار إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة .
قوله : ( وقولهم إني لأمر على الرجل مثلك فيكرمني ) ذكره مع أن المثال الواحد يكفي بقرينة وصفه بالجملة فإن الأنسب بتمدحه بصفة الحلم والوقار أن يحمل يسبني على الوصف لا على الحال إذ ليس قصد الشاعر أنه يمر ويمضي ويعرض عمن يسبه حال المرور بل قصد أنه يعرض عمن السب دأبه وعادته ولا يلتفت إليه فالمناسب أن يجعل سب اللئيم من أحوال الذات كما في جعله يسبني وصفا لا من هيئات الفعل كما في جعل حالا لفوات الوصف بكمال الحلم في تقييد العامل بالحال هكذا بينوا معنى وهذا مأخوذ من كلام ابن الحاجب فإنه قال الحقيقة الذهنية معرفة في الذهن نكرة في الخارج قوله يسبني صفة لئيم وقال الزجاج وهو بمنزلة قولك إني أمر على الرجل مثلك فأكرمه قالوا هذا المثال أظهر لأن الأول يحتمل الحال وأجيب بأنه لا يحتملها لأن القائل يمدح نفسه ويصف إناءته وأن الحكم دأبه وعادته لا أنه يمر على لئيم معين مرة وأنه احتمل مساءته ومسبته .