الأخير ) أي النعم الأخروية بجميع أنواعها وبعض القسم الأول وهو النعم الدنيوية كما أشار إليه بقوله : ( وما يكون وصلة إلى نيله من القسم الآخر ) وهو التخلية والتحلية والأعمال المرضية وحاصله ما يترتب عليه الغفران والرضوان والتبوء في أعلى الجنان يرشدك إليه قوله ما يكون وصلة الخ . وعدم قوله وما يكون موقوفا عليه مع أن الاعتقادات السنية من النعم الكسبية فإنها موصلة إلى النعيم الأبد وسبب إلى السعادة المؤبدة سببا عاديا بلا واسطة وأما الموهبية كنفخ الروح وإشراقه بالعقل الخ . فإنما يكون موصلة إليها بواسطة النعم الكسبية وحمل اللفظ على المتبادر كالواجب ما لم يصرفه صارف ومن هذا حمل النعمة المطلقة على الفرد الأكمل وهو ما يكون نعمة من كل وجه صافية عن وخامة العاقبة والشقاوة وهي ما اختاره وكم من نعم موهبية تكون سببا لطغيان صاحبها وخسران مآله وإلى ذلك أشار بقوله ( فإن ما عدا ذلك ) من نفخ الروح وتخليق البدن وإشراقه بالعقل بمعنى القوة العاقلة المراد هنا كما بينا سابقا وما يتبعه من القوى ( يشترك فيه المؤمن والكافر ) وإنما تكون هذه المذكورات موصلة إلى الدرجات والغرفات إذا صرفت إلى ما خلقت هي له من المبرات فلا وجه لإدراجه في الدعاء بنيله مع أن الدعاء بنيله إنما يكون ملائما للكسبي والتعبير بالماضي لتغليب ما مضى فيه على ما سيقع لتوقف النعم الأخروية عليه على وجه أتم وإن كانت أجل وأعظم أو لتنزيل منتظر الوقوع منزلة الواقع أو المعنى أنعمت عليهم في علمك على أن المراد بالإنعام إرادة إيصال النعم وفيه نوع بعد قيل وفيه استعارة تبعية ولو قيل العبادات والطاعات في النشأة الأولى هي بعينها النعم الأخروية واللذات في النشأة الأخرى لكان التعبير بالماضي عن مؤنة التوجيه أغنى وبالاعتبار أحرى وفي كلامه إشارة إلى أن المراد بالموصول المؤمن مطلقا فإنه ذكر مقابلا للكافر ولكن قوله الآتي لأن المنعم عليه من وفق للجمع يقتضي كون المراد به هنا المؤمن الكامل المكمل قوته النظرية والعملية فالمطلوب صراط المؤمن الكامل لا المؤمن مطلقا على ما يقتضيه الذوق أيضا بقي هنا شيء وهو أن صاحب الكشاف حمل النعمة هنا على العموم حيث قال وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام لأن من أنعم اللّه عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة أصلا إلا أصابته فظاهره أنه عام لكل نعم دنيوية سواء كان من النعم الموصلة إلى النعم الأخروية أو وفرس بل المراد أن قوله :
أَنْعَمْتَ
[ الفاتحة : 7 ] لا بد له من صلة فحذفت صلته ولم يقيد بصلة معينة دون أخرى لقصد التعميم كما في إياك نعبد وإياك نستعين وقال صاحب الكشف لم يرد أن الإطلاق والعموم بمعنى بل المراد أن المقام إنما أفاد العموم لأنه أتى به مطلقا لأنه لو أتي مقيدا لم يفده ولهذا علل العموم بقوله لأن من أنعم اللّه عليه بنعمة الإسلام لم تبق نعمة إلا أصابته واشتملت عليه دلالة على أن المراد به نعمة الإسلام ولما كانت شاملة للنعم كلها أطلق الإنعام في إرادتها خصوصا تنبيها على هذا المقام فلا وجه لتشنيع من شنع بأنه لا يفرق بين المطلق والعام أقول ينافي هذا التأويل إسناد العموم إلى الإطلاق إذ لو قيد وقيل أنعمت عليهم بنعمة الإسلام أو الذين أنعمت عليهم يستفاد منه العموم ولا دخل للإطلاق في إفادة العموم .