قوله : ( والثاني أن يغفر ما فرط منه ) وفيه تأييد لما قلنا من أن معرفة اللّه تعالى من النعم الدنيوية الكسبية فقط ولا تعد أيضا من النعم الأخروية حيث لم يتعرض له المصنف سوى المغفرة وأختيها كما أشرنا وأن الظاهر أن النعم الأخروية كلها موهبي وليس فيها كسبي إذ جزاء الأعمال فضل وعطاء من الملك المتعال على أن المكسوب الأعمال لا جزاؤه ولو سلم فكسبه في الدنيا بكسب سببه العادي لا في العقبى ثم المغفرة ظاهرها عامة لكل واحد من المكلفين حتى الأنبياء والمرسلين قال المصنف في تفسير قوله تعالى :
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
[ عبس : 23 ] إذ لا يخلو أحد عن تقصير ما والمفهوم منه أن كل أحد يحتاج إلى مغفرة وعفو ما فقول مولانا خسرو فيجعل ترك الأولى من الأولياء والأنبياء من الذلات المغفورة بناء على الظاهر لا يعد من نوع سوء الأدب كما زعم بعض من يسيء الأدب مع السلف وينصره قول من قال حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار فإذا كان كذلك يحتاج إلى عفو الرحيم الغفور .
قوله : ( ويرضى عنه ) إشارة إلى نعم روحاني أخروي قوله : ( ويبوأه في أعلى عليين ) إشارة إلى نعم جسماني والمغفرة جامعة لهما فيجري في هذا القسم أيضا روحاني وجسماني لكن كله موهبي كما مر فإن رحمة اللّه ورضاه تعالى أكبر النعم الروحانية قال اللّه تعالى :
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ
[ التوبة : 72 ] فإنه المبدأ لكل سعادة وكرامة والمؤدي إلى نيل الوصول والفوز باللقاء كذا قاله المصنف هناك وفيه إشارة إلى أن الرضاء مبدأ النعم لأنفسها ففي كلامه مسامحة يسيرة فهو أعظم النعم حتى من رؤية اللّه تعالى من هذه الحيثية وفرط منه بالفاء وتخفيف الراء من باب نصر وقد جوز تشديد الراء بمعنى قصر فيه وهو الموافق لقوله تعالى :
يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ
[ الزمر : 56 ] الآية .
والمراد ما فعله في الدنيا من الذنوب أو ترك الأولى ولهذا اختار على الذنوب وصلة فرط محذوفة قوله منه متعلق بأن يغفر أي يغفر ما فرط فيه الإنسان منه ويبوأ مضارع بوأه بباء موحدة ثم واو مشددة وهمزة من التبوئة وهي الإنزال والإسكان وأما التسوية والتهيئة فغير مناسب هنا وإن جوزه المصنف في تفسير قوله تعالى :
وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ
[ آل عمران : 121 ] الآية والمغفرة والرضاء والتبوئة من قبيل الإنعام ولو اعتبرت الأفعال مبنية للمفعول لاندفع التسامح لكن ذكر المفعول في يبوأه يأبى عنه وعليين أعلى الجنة أو موضع في السماء السابعة تصعد إليه أرواح المؤمنين أو اسم لطيفة من الجنات كما صرح به المصنف في أوائل سورة البقرة أو
كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ
[ المطففين : 20 ، 21 ] على معنى والمراد المعنى الأول ومعلوم بالضرورة أن فيه تفاوتا بحسب تفاوت الأعمال والعمال فلا يتوهم فيه الإهمال وفي الأصل جمع علية أو علي بمعنى الغرفة هذا على بعض المعاني المذكورة أو لا واحد له أصله عليو كصديق وقسيس فاعل فصار عليّ .
قوله : ( مع الملائكة المقربين ) لكنهم لا يتنعمون بتنعم المكلفين بل تنعمهم التلذذ