تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
بالمعرفة والذكر واستغراقهم في التنزيهات وأنوار قدس الجبروت وانغماسهم في بحر وحدة اللاهوت وأما الإنسان فمع تلذذهم بهذه الكرامات يتنعمون بالمأكولات والمشروبات وأنواع الحلي وحور مقصورات فالإنسان أصل في هذا التنعم حتى ذهب بعض الحنفية إلى أن الملائكة لا يرون اللّه تعالى وهم في الجنة وإن كان الأرجح خلافه كما نص عليه الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتابه وتابعه الإمام البيهقي وغيره كابن القيم والجلال البلقيني وجعله الملائكة أصلا فيه لا يعرف له وجه ولم يتعرض لثواب الجن وقد قال في سورة الأحقاف والأظهر أن الجن في توابع التكليف كبني آدم انتهى . وإن توقف في ثوابهم الإمام الأعظم والهمام الأفخم وبعض أرباب الحواشي أشار إلى أصالة الملائكة في ذلك حيث قال ثم إن التبوئة في أعلى عليين نعمة أخرى روحانية أيضا كما يفصح عنه قوله مع الملائكة المقربين حيث لم يقل مع النبيين والصديقين والشهداء فإنه ليس لفضل الملائكة بل لأن مقامات الملائكة وقربهم من اللّه تعالى قرب معنوي لا ينالها إلا من انخرط في سلك المجردات انتهى فحينئذ يكون الملائكة أصلا متبوعا بذلك الاعتبار وأنت خبير بأنه أشار إلى ذلك بقوله ويرضى عنه فإنه مبدأ لكل سعادة كما نقلناه عنه وأيضا يلزم عدم تعرضه لبيان النعم الجسمانية الأخروية فالمراد بقوله ويبوأه في أعلى عليين إشارة إلى النعم الجسمانية أو إلى الأعم منها ومن الروحانية فقوله مع الملائكة يحتاج إلى « 1 » التأمل . قوله : ( أبد الآبدين ) ظرف للتبوئة بمعنى طول الدهر وعدم الانقطاع كدهر الداهرين فإنه أيضا يستعمل في التأبيد والخلود وفي القاموس والأبد حركة الدهر والآباد وأبود والدائم وأبد الآبدين كأرضين وأبد الآباد بمعنى انتهى . فالآبدين جمع الأبد مبالغة الأبد كداهر مبالغة الدهر يقال دهر داهر كما يقال أبد آبد للمبالغة كظل ظليل قال الإمام المرزوقي إن من شأن العرب أن يشتقوا من لفظ الشيء الذي يريدون المبالغة في وصفه ما يتبعونه به تأكيدا وتنبيها على تناهيه من ذلك ظل ظليل وداهية دهياء وشعر شاعر انتهى ولا شك أن الاشتقاق يجري في الجوامد أيضا فاشتق من لفظ الأبد الآبد فأسند إليه مجازا للمبالغة ثم جمع لزيادة المبالغة وأما جمعه بالياء والنون كالعليين فعلى خلاف القياس أو المراد بالأبد الدائم جمع بهما تغليبا للعقلاء كالعالمين . قوله : ( والمراد ) أي من النعمة المطلوبة المدلول عليها بقوله أنعمت ( هو القسم قوله : والمراد هو القسم الأخير أي المراد بالنعمة المدلول عليها بأنعمت عليهم هو النعم الأخروية وما يكون وسيلة إلى نيلها من النعم الدنيوية كتزكية النفس عن الرذائل وتحليتها بالأخلاق السنية والملكات الفاضلة من القسم الكسبي وهذا التخصيص أيضا لا ينافي الإطلاق الكائن في أنعمت عليهم لعين ما قلنا آنفا قال صاحب الكشاف وأطلق الإنعام ليشمل كل إنعام وقال القطب رحمه اللّه فرق بين المطلق والعام والإطلاق لا يستلزم العموم فنقول ليس المراد بالمطلق أنه كرجل
هامش
( 1 ) ولقد أصاب وأجود من قال مع المقربين بحذف الملائكة .
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 265 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر