مشهور في العرف حتى صار كأنه حقيقة فيه وإما أن يجعل من باب التضمين فيلاحظ المعنيان وتكون الباء المذكورة صلة المضمن ويقدر للمضمن فيه فيقال في نخصك بالعبادة مثلا نميزك بها مخصصا أيا هالك وهذا هو المشهور المتداول بين العلماء ولبعض أرباب الحواشي تبعا لغيره بحث قليل الجدوى وخلاف الفحوى ثم إنه أدرج لفظ نخصك لإظهار فائدة التقديم وهي إفادة القصر إشارة إلى رد ابن الحاجب وابن الأثير حيث قال في المثل السائر أن التقديم في إياك نعبد وإياك نستعين لمراعاة حسن النظم السجعي الذي هو حرف النون لا للاختصاص وابن الحاجب ذهب إلى أن التقديم في نحو اللّه أحمد وإياك نعبد للاهتمام ولا دليل على كونه للحصر كما في المطول والقصر هنا حقيقي إذ لا معنى أنه يكون لرد خطأ المخاطب إذ قصر القلب والأفراد والتعيين في القصر الإضافي دون الحقيقي صرح به في المطول في بحث متعلقات الفعل لكن قد أغرب ذلك المحشي حيث قال إنه لا يجيء في تقديم متعلقات الفعل عليه إلا القصر الإضافي كما ينبئ عنه ظاهر قول المصنف وتقديم مفعوله ونحوه عليه لرد الخطأ وإن احتمل بناؤه على الأكثر انتهى وغرابته لا تخفى فإن القصر في إياك نعبد وفي قوله تعالى :
لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ
[ آل عمران : 158 ] حقيقي مع أنه من باب تقديم المفعول ونحوه على الفعل ولا يتصور فيه رفع الخطاء بلا خفاء .
قوله : ( ليكون أدل ) متعلق بخوطب وبيان للنكتة المرجحة للخطاب بعد التنبيه على النكتة المصححة فلا إشكال بأن الخطاب لكونه جزءا معلل بما سبق من مضمون الشرط فكيف يصح تعليل المعلل به بدون عطف ولك أن تقول إنه لبيان عليه العلة وجه الأدلية قد سبق بيانه مع ما له وعليه ( على الاختصاص ) .
قوله : ( والترقي ) بدون اللام عطف على يكون لكونه مأولا بالمصدر بسبب أن قوله : والترقي من البرهان إلى العيان عطف على الاختصاص لكن المراد بالتفضيل في لفظ الأدل في حق المعطوف عليه الزيادة على ما أضيف إليه وفي حق المعطوف الزيادة المطلقة لفقد أصل الدلالة على الترقي في الصفات لأن دلالة الصفات جمعا وفرادى إنما هي من طريق البرهان الصرف وهذا وجه آخر في نكتة الالتفات والعطف في قوله والانتقال من الغيبة إلى الشهود يحتمل أن يكون عطف التفسير ويحتمل أن يكون وجها آخر من وجوه الترقي فإن الأول ترق من الدليل إلى المدلول كالترقي من المقدمات إلى النتيجة والثاني ترق من الغيبة إلى الحضور وهذا الذي ذكره هو محصل ما قالوا في هذا المقام بلسان أهل العرفان أن الحمد مبادي حركة المريد فإن نفس السالك إذا تركت ومرآة قلبه إذا انجلت فلاحت فيها أنوار العناية والعناية التي أوجبت الولاية تجردت النفس الزكية للطلب فرأت آثار نعم اللّه عليها سابغة وألطافه غير متناهية فحمدت على ذلك وأخذت في الفكر فكشف لها الحجاب من وراء أستار العزة عن معنى رب العالمين فشاهدت ما سوى اللّه تعالى على شرف الفناء مفتقرة إلى المبقي محتاجة إلى التربية فترقت لطلب الخلاص من وحشة الديار وظلمة السلوك إلى الأغيار فهبت من نفحات جنات القدس نسمات الطاف الرحمن الرحيم وفرحت من هذا المقام بلغات بوارق الجلال من وراء سحام الجمال إلى الأحد الصمد المالك الحقيقي فنادت بلسان الاضطرار في مقام
لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
[ غافر : 16 ] أسلمت نفسي إليك وألجأت ظهري إليك وهناك خاضت