تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 222

مساهمون:

ص٢٢٢
يفهم منه سببية عرفا وإذا قيل إياك بدل إياه فقد نزل الغائب بواسطة أوصافه المذكورة التي أوجبت تميزه وانكشافه حتى صار كأنه تبدل خفاء غيبته بجلاء حضوره منزلة المخاطب في التميز والظهور ثم أطلق عليه ما هو موضوع للمخاطب ففي إطلاقه عليه ملاحظة لتلك الأوصاف فصار الحكم مرتبا على الوصف المناسب كأنه قيل أيها الموصوف المتميز بهذه الأوصاف نخصك بالعبادة والاستعانة فيفهم عرفا أن العبادة والاستعانة لتميزه بتلك الأوصاف ونظير إياك هنا اسم الإشارة الآتي في قوله :
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ
[ البقرة : 5 ] الآية . فإثباته له في الخطاب بطريق برهاني بخلاف الغيبة فلذا قال ليكون أدل الخ . حاصله أن الخطاب يدل عرفا وإن لم يدل وضعا على أن العبادة والاستعانة تميزه بتلك الصفات وأما الغائب فلا يدل على ذلك لا لغة ولا عرفا فلا إشكال بأن الضمائر كلها تدل على الذات دون اتصافه بالصفات وإن فهم من المقام فلما دل الخطاب على ذلك عرفا عبر المصنف عنه باسم الإشارة الذي يدل على الذات المأخوذة مع الصفات لكن أراد به الصفات بل الاتصاف بها هذا إن أراد بدلالة العرف دلالته على ذلك لتقدم ذكرها فادعاء أن تلك الدلالة داخلة في مفهوم ضمير الخطاب عرفا دون ضمير الغائب تحكم وإن أراد بها مطلقا فلا دلالة عليها لا في صورة الخطاب ولا في صورة الغيبة وإشعار العلية قد حصل مما سبق ولذا قال فضلا عن أن يعبد ليكون دليلا الخ . والظاهر أن يقال إنه لما بين سبب صحة الخطاب وهو التميز المذكور حاول تصوير المعنى الذي استفيد من الفحوى . قوله : ( نخصك بالعبادة ) أي نجعلك ممتازا بالعبادة ( والاستعانة ) عن غيرك لا نعبد ولا نستعين غيرك على أن الباء داخلة على المقصور وهذا أكثر استعمالا وإن كان دخولها على المقصور عليه كثيرا عند العرب ووجهه أن الاختصاص والتخصيص والخصوص بحسب مفهومه الأصلي يقتضي دخوله الباء على المقصور عليه في استعمال العرب إذ هو عبارة عن التعلق الخاص كما صرحوا به ومقتضاه أن يكون المتصف به مفعولا بلا واسطة الحرف ومتعلقه مفعولا بواسطته وقد تحقق الاستعمال نحو اختص الجود بزيد كما استعمله صاحب الكشاف ولا شك أن استعماله مثل روايته في اللغة كما نص عليه النحرير التفتازاني فثبت أن الأصل دخولها على المقصور عليه فدخولها على المقصور بأحد الطريقين المذكورين ولعل الاكتفاء ببيان دخول الباء على المقصور في مشاهير اللغة كالأساس والجوهري بناء على أشهريتها وكتب اللغة مشحونة بالمجاز فعدم ذكرهم دخولها على المقصور عليه لا يقتضي أن لا يكون عربيا إذ اقتضاء القاعدة مع استعمال الثقات كاف في ثبوته عند العرب إلا أن الأكثر في الاستعمال دخولها على المقصور إذ مادة التخصيص في معنى التمييز فإن تخصيص الشيء بالشيء الآخر في تمييز الآخر به كما اعترف به قدس سره في حاشية المطول في حل قوله نخصك بالعبادة أي نميزك ونفردك من بين الموجودين فتكون العبادة مقصورة عليه تعالى وكذا قوله واختص المندوب بوا أي ميز المندوب عن المنادى بوا فتكون الواو مختصة بالمندوب وكذا قوله يختص برحمته من يشاء وبالجملة تخصيص شيء بآخر في قوة تمييز الآخر به فإما أن يجعل التخصيص مجازا عن التمييز
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 222 | اسماعيل بن محمد القونوي / عبد الله محمود محمد عمر