المقدرة فيكون من فوائد الخطاب ويؤيده ما في بعض النسخ للترقي باللام الجارة والعطف على الاختصاص وإن كان أقرب لفظا لكنه أبعد معنى لما يرد عليه من إخراج صيغة التفضيل عن ظاهرها أو من التمحل البعيد الذي ارتكبوه لكن الأول علة تحصيلية والثانية علة حصولية وعن هذا عبر الأول بصيغة الاستقبال والثاني بالحدث إذ الترقي ليس بحاصل بالخطاب كأدلية الاختصاص بل الأمر بالعكس العيان بكسر العين وفتحها خطأ وهو مشاهدة العين ولذا هو مأول هنا كما ستعرفه والظاهر أن هذا الترقي بسبب ذكر الحقيق بالحمد وتوجه النفس إلى الذات الحقيقي بالحمد وكلما أجري عليه صفة من عظام الصفات ازداد تيقنه واطمأنت به نفسه حتى انصرفت إليه بشراشرها معرضة عما سواه لتناهي وضوحه فكأنه صار عيانا فيحمده ويعبده كأنه يراه كما ورد في الحديث الصحيح الشريف :
« الإحسان أن تعبد اللّه كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » ( من البرهان إلى العيان ) .
قوله : ( والانتقال من الغيبة إلى الشهود ) عطف تفسير للترقي والبعض « 1 » تصدى للفرق بينهما فقال والفرق أن الصفات المذكورة من حيث دلالتها على الآيات الآفاقية والأنفسي تفيد الترقي من البرهان إلى العيان ومن حيث كل واحد منها يوجب تعقله تعالى بوجه يميز عما عداه حتى يصير كالحاضر المشاهد يفيد الانتقال إلى الحضور أي إلى مرتبة كالشهود بسبب كونه حاضر القلب بحيث كأنه يرى لتيقنه بأنه تعالى يراه فيراقبه مراقبة العبد لمولاه المجازي أو مراقبة الرعايا للملك المجازي والظاهر أن كلام المصنف بالنسبة إلى السالكين وأما بالنسبة إلى العارفين الواصلين فلا انتقال ولا الترقي كيف لا قال بعضهم ما رأيت شيئا إلا رأيت اللّه معه ولم يرض به بعض آخر فقال : ما رأيت شيئا إلا ورأيت اللّه قبله حتى قيل إن قوله تعالى حكاية عن نبينا عليه السلام :
إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا
[ التوبة : 40 ] أحسن موقعا من قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام :
قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
[ الشعراء : 62 ] اللهم إلا أن يقال إن المراد مطلق الترقي سواء كان أصل الترقي أو دوام الترقي والجمع بين الحقيقة والمجاز يصح على مذهب المصنف على أنه من عموم المجاز فلا نزاع في جوازه .
لجة الوصول وانتهت إلى مقام العين فتحققت بسمة العبودية فقال إياك نعبد وههنا إنهاء مقام السالك ألا ترى إلى سيد الخلق كيف عبر عن مقامه هذا بقوله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا
[ الإسراء : 1 ] فطلبت التمكين بقوله :
إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
[ الفاتحة : 5 ، 6 ] واستعاذت عن التلوين بقوله :
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ
[ الفاتحة : 7 ] فقصد مستكملا ورجع مكملا وفي كلام صاحب المفتاح إيماء إلى هذا المعنى من أراد فليرجع إلى ما فصله في المفتاح وأطنب في بيان حسن موقع الالتفات في
إِيَّاكَ نَعْبُدُ
[ الفاتحة : 5 ] فقوله بني أول الكلام الخ استئناف أورده لبيان وجه الترقي المذكور .
هامش
( 1 ) سيالكوتي .