قوله : ( فهو ) أي الشكر اللغوي ( أعم من الحمد والمدح من وجه ) بحسب الصدق لأن مورده يعم الثلاثة على ما اختاره المص وهو المشهور عند الجمهور بخلاف ما إذا خص باللسان أيضا كما ذهب إليه البعض واختاره الإمام الفخر وإما الحمد والمدح فموردهما اللسان فقط اتفاقا وأخص منهما من وجه لأن متعلقه يختص بالإنعام اتفاقا بخلافهما وهذا مقتضى تعريفهما فلذا رتب عليهما بالفاء أي إذا كان معنى الحمد والمدح ذلك ومفهوم الشكر هذا فهو أعم الخ لا على تعريف الشكر فقط ولهذا تحقق تصادقهما في الحمد باللسان في مقابلة الإحسان وتفارق الحمد في الوصف بالشجاعة وتفارق الشكر في الاعتقاد بالجنان « 1 » في مقابلة الإنعام وأما النسبة على ما اختاره البعض ( ف ) هو ( أخص ) مطلقا من الحمد لتصادقهما في الثناء باللسان في مقابلة الإكرام وتفارق الحمد في الوصف بالجميل على علم زيد وشجاعته وهذا أي بيان النسبة على الوجه المذكور صريح في أن الإطلاق على كل واحد من الثلاثة لا على المجموع فلا حاجة إلى العناية التي ارتكبها قدس سره من أن الشكر يطلق على اللسان اتفاقا وإنما الاشتباه في إطلاقه على فعل القلب والجوارح حتى توهم كثير من الناس أن الشكر في اللغة باللسان وحده ولما جمعه الشاعر مع الأخيرين وجعلها ثلاثة علم أن كل واحد منها شكر على حدة فإن الواو بمعنى أو في قولهم الحيوان إنسان وفرس لا في قولهم السكنجبين خل وعسل انتهى فإنه مع ما فيه من النظر كما عرفت آنفا مستغنى عنه ببيان النسبة بالوجه المذكور ( من أخر ) .
قوله : ( ولما كان الحمد ) إشارة إلى وجه اختيار الحمد على الشكر مع أنه أعم موردا وأحسن موقعا فبين اختياره فقال ولما كان الحمد الخ فحينئذ السؤال المقدر يكون استفسارا وإلى ما ذكرنا أشير إليه في الكشاف كما يظهر لمن له فكر صائب ونظر ثاقب وأكثر المحشين ذهبوا إلى أنه جواب سؤال على جعل النسبة بينه وبينهما بالعموم من وجه لأن النبي عليه السلام جعل الحمد رأس الشكر فيكون جزءا فيكون الحمد أعم مطلقا منه أو مساويا له كما هو شأن الجزء وقال أيضا عليه السلام ما شكر اللّه عبد لم يحمده وهو أيضا يقتضي عمومه أو مساواته لأن الأعم من وجه لا يكون جزءا من الأخص من وجه ولا يلزم من انتفائه انتفاؤه فأجاب بقوله ولما كان الحمد الخ وهذا ضعيف لأن جعل الحمد رأس الشكر لا يشعر بالجزئية فضلا عن الاقتضاء فإن مثل هذا يراد به العمدة والكمال فيه كقوله عليه السلام : « حب الدنيا رأس كل خطيئة » أي منشأوه ومنبعه والرأس في مثل هذا لا يراد به الجزء المخصوص ولا ما هو في منزلته كما هو الشائع في الاستعمال وأيضا قوله عليه السلام : « ما شكر اللّه » الخ نفي الكمال وهذا شائع فيه وأيضا ولو أريد به نفي أصله لما كان للتخصيص وجه لأن سائر الأركان كذلك فمنشأ الاعتراض في غاية الوهن ومن استيلاء الوهم والعلامة الزمخشري جعل كون الحمد إحدى شعب الشكر منشأ لقوله عليه السلام :
« الحمد رأس الشكر » فكيف يكون هذا القول الشريف منشأ للوهم السخيف .
هامش
( 1 ) وهذه العبارة أولى من اللسان بالجنان كما وقع في المطول يعرفه ذوو العرفان .