وهم ينتظرون ذلك المجيء فالشيخ كجبرائيل للمريد وجبرائيل عليه السّلام مرشد لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ألا ترى أنه أرشده إلى أن انتهى إلى سدرة المنتهى ، ثم انقطع ذلك وكان الأمر بينه وبين اللّه صورة ومعنى ؛ فإن سر العبد لا حكم عليه لأحد إلا للّه ، ولهذا جاء في أدب أهل الطريقة أن المريد إذا أراد أن يذهب لحاجة ولم يجد الشيخ في مكانه يتوجه إلى روحانيته ويستأذن من الباطن ، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله ولمقصود المتابعة ، وهي حاصلة في كلتا الصورتين أي : في صورة وجود الشيخ وعدمه ؛ فإن انعدام وجوده في مكانه في الظاهر لا يستلزم عدم وجوده في الخارج ، والحاصل أنه فرق ما بين الحياة والممات ، وإن كان الأنبياء والأولياء أحياء عند اللّه في جميع النشئات .
قال حضرة الشيخ : العلم يسوق إلى العرفان ، وهو إلى المحبة ، وهي إلى التعبد ؛ لأن من له محبة اللّه يجهد في خدمته ويعبده لا لغرض ، والمجاهدون في سبيل اللّه أفضل من القاعدين بالنص ، قال : صاحب شيخي بعد ظهور هذا العلم - أي : علم الطريقة والمعرفة لقلبي ثلاث ثم استخلفني فصرت غريبا وبقيت يتيما لكن اللّه ألبس وأنعم وأغنى وله الحمد ، ألا ترى أن أحوال اليتامى في الخارج متفاوتة ؛ فمنهم من يبقى على الغداء والجوع ، ومنهم من يخلف له من يحتضنه فيراعيه كما يراعى الأبوان أولادهما ، وإن اللّه حفظني عن الرخصة إلى الآن ، وذلك في المطعم والملبس وغيرهما ، وحبب إليّ الزهد وبغض التجمل ، ومع هذا فأين نحن من كبار السلف في المجاهدة من تقليل الطعام والكلام والمنام والتكثير في الصيام والقيام .
قال حضرة الشيخ : إن اللّه تعالى يبتلي بعض العباد بالطلب من تحصيل المطلوب ، وبعضهم يبتلي به مع حصول المطلوب المشروط به إما مقارنا بطلبه ، وإما بعده ؛ لأن وقت الدعاء قد يفارق حصول المطلوب فيستجاب الدعاء في وقت ويحصل المطلوب في وقت آخر ، وبعضهم لا يبتلي به بل يرسل فيضه بلا طلب ما لا شيء ، والثاني طلب وشيء ، والثالث شيء لا طلب .
قال حضرة الشيخ : كما أن الرزق الصوري ينقطع عند الموت الصوري وليس بعده إلا الحياة الأبدية كذلك الرزق المعنوي ينقطع عند الموت وليس بعده إلا الحياة الباقية ، يعني : أن السالك إذا وصل إلى الفناء الكلي يستكمل حظه من جميع المقامات ، ويأخذ نصيبه من جميع التعينات ، وهي تجري مجرى الغذاء لروحه ؛ فإذا
مرآة الحقائق — صفحة 867
مساهمون: أحمد فريد المزيدي
ص٨٦٧