تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 780

مساهمون:

ص٧٨٠
الحقيقي ؛ فإن الأعيان على ما كانت عليه ، وليس في البين إلا الظل والخيال . وقال حضرة الشيخ : أول ما بدأ به رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من الوحي الرؤيا الصادقة ، وكانت مدتها ستة أشهر على ما هو أدنى مدة الحمل ، ثم جاء الملك فعبر عن المثال المقيد إلى المثال المطلق ، ولذا نقول : إن تعبير الرؤيا إنما هو في النفس الأمارة واللوامة ، فإذا وصل السالك إلى المهمة قل احتياجه إلى التعبير ؛ لأنه حينئذ يكون ملهما من عند اللّه كما هو صريح قوله تعالى :
فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها
[ الشمس : 8 ] فمرتبة الإلهام له كرتبة مجيء الملك للرسول عليه السّلام . ويقال لعالم الرؤيا : عالم المثال المقيد بالنوم لتمثل الأشياء فيه ، ويطلق على عالم الأرواح أيضا لكنه لطيف بالنسبة إليه ، كما أنه لطيف بالإضافة إلى عالم الأجسام . واعلم أن الخيال هو في لسان القوم هو الحقيقة ، فالخيال المطلق ، والمثال المطلق شيء واحد ، وهو ما تراه في اليقظة بالبصر ، وهو العرش وما دونه من العناصر والمواليد ، وكذا الخيال المقيد والمثال أمر واحد وهو عالم المنام وعالم الانسلاخ وعالم البرزخ ، والانسلاخ قرن المنام في الرتبة ؛ فإنه حال الكمّل . ثم كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لا يأخذ الوحي إلا في حضرة الخيال المطلق أو المقيد بالانسلاخ ، إلا أنه لا يبقى لأهل الانسلاخ إحساس لمعنى عنده أصلا ، ويعرض لجسده فتور ، فإذا تم الأمر رجع إلى حاله وإليه الإشارة بقوله تعالى :
وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ
[ البقرة : 245 ] فالقبض إشارة إلى الانسلاخ ، والبسط إلى العود إلى الحياة الأولى ، فإذا قبضه بالانسلاخ بسط في حضرة المثال القيد ، وإذا بسط بالرجوع قبضه في حضرة المثال المطلق ، أو نقول : يقبضه من المثال المطلق ، ويبسط في القيد ، ويقبض في القيد ، ويبسط في المطلق . سألت حضرة الشيخ عن التوفيق بين قوله تعالى :
إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
[ هود : 56 ] وبين قوله :
أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ
[ الملك : 22 ] الآية . فأفاد أن الأول إطلاقي حقيقي ، والثاني تقييدي إضافي بالماشي مكبّا على وجهه على صراط مستقيم في الحقيقة ، يمشى به ربه إلى غاية ما ، وإن كان في الصورة على الضالية دون الاستقامة .