تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 675

مساهمون:

ص٦٧٥
وكل من هاتين الأمانتين كالأمانتين اللتين هما الأمانة الصغرى ؛ كإمامة الصلاة ، والإمامة الكبرى كإمامة السلطان ؛ ولثقلهما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « الإمام ضامن » « 1 » ، فمن ابتلي بشيء من هاتين الإمامتين ؛ فليحفظ نفسه ، وكذا من اقتدى به ، فإنه ورد : « كلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته » « 2 » . والجماعة رعيته الإمام ، والإمام والرعية واحد في الحقيقة ، فإذا وقع من أحدهما ثلمة في الدين ؛ فقد وقع من الآخر أيضا ؛ لتأثيره فيه تأثير بعض الأجزاء في البعض ؛ كوجع السن ، أو العين ، أو البطن مثلا ، فإنه يؤثّر في غيرها أيضا بحسب السريان . وقد صحّ أن بين الشيئين جهتين ؛ جهة ما به الامتياز ، وجه ما به حكم الجواز ، ثم إني أقول : أراد صلّى اللّه عليه وسلّم بفقدان الأمانة في الدين رجوع الفيض الإلهي من الظهور إلى البطون ، وأول ما كان هذا الرجوع قبيل سبعمائة سنة من مدة هذه الأمة ، فازداد الأمر ارتدادا إلى الأصل إلى يومنا هذا ، وهو ألف ومائة وثلاثون ، وكلّما ارتدّ هذا الأمر ، ورجع قهقهري ؛ قلّ أهل الأمانة ، فأكثر الناس الآن خونة ظاهر وباطنا ، وفسقة شريعة طريقة . وأراد بفقدان الصلاة : إضاعة صورتها ؛ ومعناها وإن أقيمت ، وكذا إضاعة التوجه الكلي إلى اللّه تعالى إمّا أنفسا ، وإمّا آفاقا . وأردنا بالإضاعة النفسية : ما كان عند كل شخص من الغفلة عن اللّه تعالى ، وبالإضاعة الأفقية : ما كان بالنسبة إلى من يحفظ اللّه به العالم بصورته ومعناه ، فإنه إذا احتجب عن محافظة شيء من الأشياء الموجودة في الدنيا الداخلة تحت إحاطته ؛ أسرع إليه الموت والفناء ؛ لأن ذلك الحافظ ؛ هو روح ذلك الشيء ، فإذا قطع فيض نفسه الرحماني ، ومدّده الربّاني عنه التحق بالعدم ، وذلك بتقدير اللّه تعالى وقضائه . إذ لولا ذلك ؛ لامتدّت الحياة ، ولمّا كان آخر الدنيا هو الفناء والهلاك ؛ ناسبه فقدان الصلاة التي بها الحياة ، فاعرف هذه الجملة ، وتبتل إليه تبتيلا ، وكن حاضرا
هامش
( 1 ) رواه أبو داود ( 1 / 143 ) ، والترمذي ( 1 / 402 ) . ( 2 ) رواه البخاري ( 1 / 431 ) ، ومسلم ( 3 / 1459 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 675 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي