المالح ، فمن شرب منه ؛ ازداد عطشا على أن السؤال عن الناس ؛ كالسؤال عن نفسه ، ولا شك أنهم متساوون في الدرجة ، فعرض الحال على اللّه تعالى أوجب .
فإن قلت : إذا شاهد الحق في الحق ؛ لم يكن ذلك سؤالا عن الخلق ، كما أشار إليه قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ
[ فاطر : 15 ] : أي في كل وجه من الوجوه سلطانا أو رعية ، قلت : فرّق بين من وقف مع الوسائط ، والأسماء الجزئية ، وبين من خرق السور ، وتجلّى له النور بلا واسطة من مراتب الظهور ، فإن قلت : فليجز السؤال الكسر النفس في مقام العار ؛ قلت : ذلك لأهل البداية الذي لا غنى لهم ، وليس كلامنا في ذلك .
فإن قلت : فقد سأل بعض أهل النهاية ؛ كالحاجي بيرام الأنقروي ونحوه .
قلت : ذلك السؤال ليس لنفسه ، وكلامنا فيه ؛ بل لغيره ، وهو السؤال عنه ، فإنه إذا خلى وطبّعه ؛ لم يكن من شأنه التقرّب إلى اللّه تعالى بصدقة ، وقد جعلها الشارع سترا من النار ، فيعرض السالك للصدقة حملا للمسئول عنه على التصدّق ، ليستتر بذلك عن النار ، ويظهر في مقام الأبرار .
وذلك من كمال رحمته ، وإن كان في الظاهر أمرا شنيعا ، فإن الأمر إذا تضمّن مصلحة حميدة ، وجعل ذريعة إلى أمر ممدوح ؛ لم يعتد بشنعة في الجملة ، فمثله خارج عن قوله : « اتقوا مواضع التهم » « 1 » .
فقد روي عن الملامية ما يستبشعه القول الظاهر ، وليس في ذلك ضيرا لهم ، إذا كانوا على الحق المبين ، واللّه يقول الحق ، وهو يهدي السبيل .
59 - في الصحيحين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن لهذه البهائم أوابد ، كأوابد الوحش » « 2 » :
وأبد : جمع آبدة بمعنى المتوحّشة المتنفّرة .
روي : أنه شرد بعير ؛ فرماه رجل بسهم ، فسئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن ذلك : « هل يحلّ
هامش
( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 45 ) .
( 2 ) رواه البخاري ( 5 / 2106 ) ، ومسلم ( 3 / 1558 ) ، وأبو داود ( 3 / 102 ) .