بالأبصار والبصائر ، كما يقتضيه المعارف الحاصلة لأربابها ؛ وهي المزيد الذي ليس في مقابلة الأعمال ، وإنما هي من نتائج المنّة الإلهية يرحم اللّه لنا ولكم بذلك .
49 - في الصحيحين قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن الهجرة قد مضت لأهلها « 1 » » :
اعلم أن الهجرة : هجرتان : هجرة الأنبياء - عليهم السّلام - وذلك أنهم إذا خرجوا عن عهدة التبليغ ، فأطاع من أطاع ، وعصى من عصى ، فأمروا أن يهاجروا إلى مكة المكرّمة مع من تبعهم من المؤمنين ؛ لئلا يروا العذاب الأليم الذي أرسله اللّه تعالى إلى عصاة الأمة ، ولمّا كان عصر نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وعصى من عصى أمره ، وهو أيضا بالهجرة إلى المدينة ، لئلا يرى عذاب قومه ؛ لأن اللّه تعالى ما كان ليعذبهم وهو فيهم ، أو وهم مستغفرون كما دلّ عليه النص ؛ بل لمتابعة الأنبياء ، وتكميل مرتبتي الفناء والبقاء .
هامش
- والرؤية الثانية : رؤية أسمائه ، وهي التي وقعت بظهور الأسماء في العوالم التي هي مظاهرها ، فهذه الرؤية موقوفة على إظهار أعيان الأسماء المستهلكة في الأحدية عوالمها ومظاهرها .
والرؤية الثالثة : الرؤية الواقعة في الكون الجامع ، وهي جامعة للرؤيتين الذاتية والأسمائية ، فخلق الحق تعالى جميع العوالم من العقل الأول إلى النوع الإنساني الكمالي الجمعي وكل شيء من العوالم مظهرا لاسم خاص من الأسماء الإلهية ، ومجليا لصفة من الصفات الجزئية أو الكليّة ، فظهر الحق في كل شيء بحسب استعداد ذلك الشيء وقابليته ، ولم يظهر بصورته الجمعية الإلهية ، فما حصل الظهور الكلي بالصورة الإلهية الأسمائية في شيء من أعيان الموجودات العلوية وأشخاص المخلوقات السفلية لعدم قابليته لها ، ولذلك قال تعالى :إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ[ الأحزاب : 72 ] ، فخلق للظهور الكلي الأحدي الجمعي الكون الجامع ، فأظهر فيه أعيان جميع أسمائه الحسنى ، وظهر بالظهور الكلي الأحدي الجمعي ، والتفصيلي فيه ، فرأى جمال ذاته تعالى فيه كما قال الأستاذ قدس سره في فصوص الحكم : لما شاء الحق - حيث أسمائه الحسنى التي لا يبلغها الإحصاء - أن يرى أعيانها ، وإن شئت قلت : أن يرى عينه في كون جامع يحضر الأمر ، فإن رؤية الشيء نفسه بنفسه ما هي مثل رؤيته نفسه في أمر آخر يكون له كالمرآة ، إلى آخر ما قال قدس سره ، وآدم الحقيقي نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فهو أظهر المظاهر وفوقها .
( 1 ) رواه البخاري ( 3 / 1280 ) ، ومسلم ( 3 / 1487 ) .