قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فيقولون : لبيك ربنا وسعديك » ؛ هذا من قبيل التحية المجرّدة ؛ كالسلام من غير ملاحظة المعنى اللغوي ، وذلك أن السّلام في الأصل ؛ كان إشارة إلى سلامة المسلم عليه من أذى المسلم ، ثم لمّا ظهر حقائق الإيمان ، والإسلام في قلوب المؤمنين وظواهرهم ؛ حمل على التحية المجرّدة .
ونحوه قوله تعالى :
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
[ الأحزاب : 45 ] فإنه مجرّد تشريف لهم من اللّه تعالى ، وكذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لبيك وسعديك ) : إذ ليس المقام مقام الخدمة حتى يقولوا : نقيم لامتثال أمرك إقامة كثيرة ، وكذا الإسعاد إذ ليس من شأن اللّه تعالى أن يسعده العبد ، ويعيّنه مرة بعد أخرى ، ولا مساغ لحمله على إعانة دينه ؛ إذ ليس هنالك تكليف ، ودين شرعي كما في الدنيا .
حيث قال تعالى :
إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ
[ محمد : 7 ] ، وكذا لا يجوز حمله على معنى تطلب منك إسعادا بعد إسعاد : أي إعانة بعد إعانة ؛ إذ الإعانة إنما هي بظهور الحاجة ، والعبد هنالك غني بغنى سيّده ؛ لأن الملك الحي الذي لا يموت .
وقد قسّموا الإلهية إلى ثلاثة أقسام :
قسم : لا ينقطع حكمه من الأزل والأبد .
وقسم : ينقطع حكمه أزلا دون الأبد ؛ كالأسماء الحاكمة على الآخرة ، وخلودها وخلود أهلها ونعيمها .
وقسم : ينقطع حكمه أزلا وأبدا ؛ كالأسماء الحكمة على النشأة الدنيوية ، فإنها ليست بأزلية ولا بأبدية ، فظهر في هذا الموطن ، ثم يختفي آثارها في الموطن البرزخي والحشري ، وما يليهما ، ومن ذلك الاسم المعين .
وذلك ان كمال الإنسان تدريجي ، فلمّا هبط آدم عليه السّلام إلى الأرض ؛ ظهرت الأسماء الإلهية على التدريج مثلا يسر له أسباب المعيشة ، فناداه : يا لطيف حمّ قواه على ما اقتضاه منه فناداه : يا معين ، وهكذا .
وليس في الجنة ما يطلبه اللّه تعالى من العبد حتى يعينه عليه ، فظهر ان أمثال تلك العبارة من قبيل الصورة التي ورد عليها في الدنيا من غير ملاحظة المعنى المدلول ، وإن كان موطن يحتمل تلك الملاحظة ، فاعرف هذا ، ودع التكلّفات ؛ فإنها من ضيق