تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
قال اللّه سبحانه :
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
[ الإخلاص : 3 ] . اعلم أن العبد على صورة المولى وسيرته . أمّا الأول : فقد دلّ عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه خلق آدم على صورته » « 1 » ؛ وهي الصورة الحقيقية المعنوية المدلول عليها بالصفات السبع المرتّبة . وأمّا الثاني : فدلّ عليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن اللّه خلق آدم ؛ فتجلّى فيه » « 2 » : أي ظهر فيه بكمالات هويّته . ولذا ورد : « تخلّقوا بأخلاق اللّه » « 3 » : أي اظهروا تلك الأخلاق والأوصاف التي أودعها اللّه فيكم حين التجلّي ؛ وذلك بالمجاهدات . كما قال :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
[ العنكبوت : 69 ] : أي سبل المعرفة والمشاهدة ؛ فإن المشاهدات تورّث المشاهدات . ولا شك أن المشاهدة موقوفة على المعرفة الصحيحة ، فظهر إن المجاهدة لها ثمرتان ؛ المعرفة الإلهية ، والمشاهدة : أي إذا كانت مجاهدة من طريق السنة كما دلّ عليه لفظة : ( في ) ، فخرّج مجاهدات الفلاسفة ونحوهم ؛ لأنها من طريق العقول ، والتصرّفات النفسانية لا من طريق الذكر ، واتّباع الأنبياء وسننهم ، فليس لها ثمرات يقينية مفيدة . ولذا ضلّوا في طريقهم ، وردّوا إلى أول منازلهم ؛ وهو منزل الطبيعة التي لا نفع منها ؛ فكانت رياضاتهم بمنزلة الاشتغال بالمأمور الخسيسة الطبيعية ، فكما أن هذا الاشتغال حجب أربابه عن الوصول الروحاني ؛ فكذا الرياضة المذكورة ، فاعتبر من هذا إن كان لك عقل سليم . ثم إن الإنسان الكامل الذي هو العبد الحقيقي لم يكن والدا ولا مولودا في الحقيقة ؛ لكونه على صورة مولاه ، وإنما قيل : له مولود ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « أنا من اللّه » « 4 » ،
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) لم أقف عليه . ( 3 ) ذكره الجرجاني في التعريفات ( 1 / 216 ) . ( 4 ) ذكره القرطبي في تفسيره ( 1 / 22 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 433 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي