تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 430

مساهمون:

ص٤٣٠
سرّ الربوبية كما قال :
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
[ الفاتحة : 2 ] . وكل منزّل من التنزّلات الأسمائية منطبق على ما فوقه ، ومن ذلك الهاء في آخر هذا الاسم ؛ لأن الصفات مشتملة على الذات ، كما أن الشجرة مطوية على النواة ، فكل نهاية راجعة إلى البداية بما اشتملت عليه من الحقيقة سواء كان ذلك الرجوع بواسطة أو بغيرها ، والعارف يمشي على المراتب صورة ، ويجري على التجريد معنى ، ففيه السلامة . ( أحد ) : أي في ذاته ؛ ومنه : أحدية السلطان فإنه ممكن ، والممكن ظل الواجب ، ولا يكون ظلال لذي ظل واحد ، وإليه الإشارة بقوله : « السلطان ظل اللّه « 1 » » : أي ظلّ الحقيقة الإلهية ، فانطبق المرآتان ، واستبان سرّ قوله تعالى :
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ
[ الشورى : 11 ] . فهنا رب وعبد فقط ، كما أن هناك ظلا ، وذا ظل لا غير ، فإذا كانت الهويّة أحدية في ذاتها ؛ كانت الألوهية وصورتها أيضا كذلك ، وإلى هذا أشير بما ورد : « إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما » « 2 » ، وإنما أمر بقتل الأخر وإزالته ؛ لأن الشركة إنما نشأت منه ، فإذا قتل ، رجع الأمر إلى وحدته . ومنه : كلمة الشهادة نفيا وإثباتا ، فاعرف . ثم إن التصريح بالأحدي ؛ إنما هو لأزالة الأوهام ، وإبطال الخيالات ، وإلا فلا وجود في الحقيقة إلا لموجود واحد ؛ لأن الظل تابع لذي الظل ، فلا وجود له في نفسه إلا صورة ، والصورة لا تزاحم المعنى ، كما أن البدن لا يتعدد مع الروح ، إذ ليس هنا إلا ذات واحدة ؛ وإنما التعدد مبني على الاعتبار ؛ ولذا قال من قال لنا : ( من أمره ) روح وجسم ؛ حيث جعل كلّا من الروح والجسم من الأمر مع أن الجسم من الخلق إذ لا يختلف الأمر من اختلاف الخلق ؛ بل هما متحدان بالذات ، وإن كانا مختلفين بالصفات .
هامش
( 1 ) رواه الحكيم الترمذي في النوادر ( 4 / 153 ) ، والبيهقي في الشعب ( 6 / 16 ) . ( 2 ) رواه مسلم ( 3 / 1840 ) ، والبيهقي في الكبرى ( 8 / 144 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 430 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي