تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨

في سورة الواقعة :

قال اللّه سبحانه :
وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ
[ الواقعة : 61 ] . اعلم أن الآخرة يقال لها : عالم الصفة ؛ لأن الإنسان يظهر فيها على الصفة الغالبة عليه في الدنيا ، فمن كانت الصفة الإنسانية غالبة عليه في هذه الدار ؛ فحشره عليها يوم القيامة ، ومن كانت الصفة الحيوانية غالبة عليه ؛ فحشره عليها أيضا يومئذ ؛ لكن الحيوانات أجناس مختلفة . ولذا جاء في تفسير قوله تعالى :
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً
[ النبأ : 18 ] . فإن بعض الناس يأتي على صورة الخنزير ، وبعضهم على صورة القرد ، وبعضهم على غير ذلك ؛ كل ذلك بحسب المناسبات الصفاتية ، وتلك الصفات مستورة في الدنيا بالصورة البشرية لكن اللّه تعالى قد يتجلّى بصورة القهر والغضب ، فيأخذ بعض عباده من طريق العدل على حسب سرّ قوله :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] . فيبدّل صورهم ، ويمسخهم كما فعل بأمة داود ، وعيسى ؛ فإنه جعلهم قردة وخنازير ، فذلك من إظهار الصفة الغالبة عليهم في هذه النشأة ، فإن اللّه لا ينظر إلى الصور والظواهر ؛ بل إلى القلوب والسرائر ؛ فهو من قبيل العقوبة المعجّلة ، وتلك الصور هي التي لا يعلم الظالم لنفسه أن اللّه ينشئه فيها في هذا العالم ، ولا يخطر ذلك بباله ؛ لكمال غفلته وغروره ، فلا يعاين حقيقة الحال إلا بعد وقوعها ، وذلك حين لا ينفع نفسا إيمانها . ثم لا يزال الإنسان يتقلّب من طور ، وهو لا يدري أي طور يدخل فيه بعد هذا اليوم لقوله تعالى :
وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ
[ الأحقاف : 9 ] فقد يدخل في مرض طويل يكون يائسا من رحمة اللّه التي هي عود الصحة ، ثم ينتقل إلى طور الصحة ، وهو الذي لا يعلم أن اللّه ينشئه فيه ، وقس على هذا سائر الأطوار المختلفة ؛ كالغنى بعد الفقر ، والأمن بعد الخوف ، والإقامة بعد السفر ، وقضاء الدين بعد ركوبه ، وحصول السكنى بعد فقده ، والنفع بعد الضرر ، والجبر بعد الكسر ، ونحو ذلك .