تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
العارف إذا شاهد هذا الرمي عن يد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ أسنده إليه ، وذلك شرك جدا « 1 » . وأمّا العارف الغير الكامل فيسنده إلى اللّه تعالى ، وذلك إلحاد قطعا . وأمّا الكامل فيسنده الظاهر إلى الظاهر ، والباطن إلى الباطن . فإن تأثير الرمي في الخارج لم يكن من الحقيقة الكونية التي تلي جانب الخلق ؛ بل من الحقيقة الوجوبية التي تلي جانب الحق ، فإذا كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم جامعا بين مرتبة الخلقية الكونية التقييدية ، وبين المرتبة الحقية الوجوبية الإطلاقية ؛ فصحّ إنه هو الرامي من وجه ، وإنه غير الرامي من وجه . فهذا الأدب الإلهي نظر إليه الكمّل فحافظوا على المراتب ، ولم يقولوا : أنا الرامي ، أو أنا الحق مثلا ؛ بل جعلوا المرتبة الواحدية جنة على المرتبة الأحدية ، فستروا المناسبة الذاتية الأحدية في المغايرة الصفاتية الواحدية ؛ فسلّموا الأمر إلى اللّه تعالى ، وسلموا عن الغوائل ، رزقنا اللّه تعالى وإياكم حلاوة هذا المقام من طريق الذوق والشهود ، لا من طريق العلم والشعور فقط . والحاصل أن مرتبة : لا إله إلا أنا مرتبة موسى عليه السّلام ؛ لأنه هو المنادى به من صورة الشجرة . ومرتبة : لا إله إلا أنت مرتبة يونس عليه السّلام كما قال في بطن الحوت :
لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ
[ الأنبياء : 87 ] .
هامش
( 1 ) قال الشيخ الأكبر في كتاب « الجلالة » ومن هذا الباب باب الحيرة الإلهية . قال تعالى :وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى[ الأنفال : 17 ] ، وافعل يا عبدي ما لست بفاعل ، بل أنا فاعله ولا أفعله إلا بك ؛ لأنه لا يمكن أن أفعله بي ، فأنت لا بد منك ، وأنا بدّك اللازم ، فالزم بدّك ، ولا بد مني ، فصارت الأمور موقوفة عليّ وعليه فحرت وحارت الحيرة وحار كل شيء ، وما ثمّ إلا حيرة في حيرة ، وأنشدهما وغيرهما وقال ، ومع قولي هذا كله قيل لي : افعل من باب الحيرة الجامعة لجميع النسخ . ثم قال في آخره : فاعلم سرّ قوله :ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ[ ق : 29 ] ، فالعاقل يعمل على إمضاء الحكم وإنفاذه ، ولا مردّ له ؛ لقوته والمحقق يأخذه من باب الحيرة ، وأنه لا يمكن إلا هذا ، وإلا فكما وصلت الخمسون إلى خمسة لم يمكن أن ينقص منها ، كذلك لم يمكن أن تبقى الخسمون أصلا لما سبق به القول .
مرآة الحقائق — صفحة 335 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي