تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩

في سورة المؤمنون

قال اللّه سبحانه وتعالى :
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ
[ المؤمنون : 29 ] . قوله : منزلا مباركا بضم الميم ، وفتحها بمعنى : موضع إنزال ، أو موضع نزول ؛ وهو السفينة النوحية ههنا ؛ لأن الخطاب لنوح عليه السّلام ، فكان السفينة منزلا مباركا له ، ولمن معه من المؤمنين حيث نجوا منها من الطوفان ، كما أن البر كان منزلا غير مبارك لمن عصاه من المشركين حيث أغرقوا من فيه بالطوفان ، وذلك لأن دخول السفينة كان بإذن اللّه تعالى ؛ فكانت منزلا مباركا يستتبع نفعا كثيرا ظاهرا وباطنا ، والإباء عن دخولها بإضلال الشيطان ، وتسويل النفس ؛ فكان عاقبته شرا محضا ، وهلاكا صرفا . فكما أن دخول السفينة كان خيرا محضا ؛ لكونه امتثالا لأمر اللّه تعالى ، فكذا الخروج عنها بعد ما كان أمر اللّه مفعولا ؛ فكان الأرض أيضا منزلا مباركا لهم ؛ ولذا قال تعالى :
يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ
[ هود : 44 ] ؛ لأنها مع الماء المستوعب لا ينتفع بها . والحاصل أن كلا من السفينة والأرض ؛ كان منزلا مباركا في وقته ؛ لأنه كان فيه نوح المبارك ، وما كان مستصحبا للمبارك ؛ كان مباركا ، فنعم المنزل ما سكن فيه الأخيار ، ووضع فيه قدمه الأبرار . ولمّا كانت السورة مكية ؛ كان من إشارتها أن يدعو نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم بهذا الدعاء لنزّله اللّه المنزل المبارك الذي هو المدينة المنورة ؛ فكانت المدينة مباركة ببركة قدمه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كما كانت مكة المكرمة مباركة بقدمه ، وبأقدام سائر الأنبياء أيضا عليهم السّلام ، فكلّ منهما منزل مبارك لمن أراد أن يكون في جوار اللّه تعالى ، وجوار سيد المرسلين . وفيه إشارة إلى أن الدنيا من المنازل الرفيعة حيث استدعى لسان الروح النزول إليها ، وكذا البدن الإنساني ذلك الروح الإضافي ، وإن لم يكن حالا فيه ؛ بل متعلّقا به تعلّق التدبير والتصرف ؛ لكنه كان كالمنزل له ، وإنما كان مباركا ؛ لأن الروح إنما يترقّى إلى الكمالات ، ويضع القدم في المعراج ، والمصاعد بإعانة البدن له
مرآة الحقائق — صفحة 289 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي