تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣
بني آدم ، وقد قال : « إن اللّه خلق آدم ؛ فتجلّى فيه » « 1 » : أي بذاته وأسمائه وصفاته . والمراد منه : آدم الحقيقي الذي هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإن الغاية القصوى من الكون من إيجاد أبو البشر داخل في محمد لا بالعكس ، فإن اللّه لمّا كان النور المحمّدي من نوره ؛ جعل نور أبي البشر في نوره ، فما ظهر إلا بنور محمد كما أن محمدا ما ظهر إلا بصورة أبي البشر ، فكان روح آدم تابعا لروحه ، وجسمه متبوعا لجسمه ، ولمّا كان الشرف الحقيقي ، والكمال الإنساني للروح في الحقيقة ؛ ما نقص متابعة محمد لجم آدم من كماله شيئا . ومنه : قال : « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم » : أي إلى ظواهركم ؛ « وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم » « 2 » : أي إلى بواطنكم ، فانظر واشهد لعلّ اللّه يعطيك رؤيته بالمنّة لا بالجهل . قال اللّه سبحانه في أواخر سورة الأعراف :
وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ
[ الأعراف : 176 ] . معنى هذه الشرطية أن إخلاده إلى الأرض كان سببا لعدم مشيئة اللّه رفعه ، فلو لم يكن الإخلاد الاختياري ؛ لشاءه ، فلو شاءه مع الإخلاد ؛ لكان ذلك من قبيل الجبر ، واللّه تعالى لا يجبر أحد على ما لا يقتضيه استعداده ؛ ولكنه يجبر على حكم قابليته ، ومن ذلك الاسم الجبّار . وعلى هذا نحو قوله :
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
[ البقرة : 264 ] : أي لأنه لو هداهم مع اختيارهم الكفر ؛ لكان جبّارا بما لا يقتضيه عالم العلم ، والحكمة ، فإن قلت : قوله تعالى :
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
[ الإنسان : 30 ] ؛ يدلّ إن مشيئتهم تابعة لمشيئته تعالى ؛ فيكون جبرا ، قلت : هذا راجع إلى ما هم عليه في عالم العلم ، فإن اللّه تعالى إنما شاء في العين الخارجي ما شاء لكون ذلك مما يقتضيه حال المعلوم في العلم ؛ فهو عليم حكيم ؛ يعني : إن حكمته تابعة لعلمه .
هامش
( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) رواه مسلم ( 4 / 1987 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1388 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 213 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي