تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
ولذا قال : «
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
» « 1 » : أي بوقوع الرؤية في الآخرة لا في الدنيا ، وبالبصيرة لا بالبصر . فإن البصر قيد ؛ والقيد لا يزول ، لقوة العناصر والأركان ، وأنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فبصره ليس بقيد له ؛ ولذا كان يرى من جميع الجهات ، وهو في الصلاة ؛ للمجازاة
هامش
- الضدين ، وتصدق رسولك صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخبرك به مما أحاله عقلك ؛ لأنك لا تتعقل شيئا قطّ من ذلك ، وميزان العقل موجود معك ، ولولا أن حضرة الخيال تقبل المحال ما قدر العقلاء على فرض المحال ؛ لأن العاقل لولا صوّره في نفسه ما قدر على فرضه ، وإنما صحّ لنا رؤية الحق تعالى في المنام مع حديث : « إنّكم لن تروا ربّكم حتّى تموتوا » . لأن النوم أخو الموت ، فلما كان الموت يطلق على النوم بضرب من التشبيه قلنا بصحة رؤية الحق تعالى فيه ، وكذلك لما تجلى الحق تعالى للجبل خرّ موسى صعقا ، وصار الجبل دكّا ، فما أطاق موسى الكلام حتى صعق ، وتحلل التركيب منه . وكان الدكّ للجبل بمنزلة الموت له ، حتى أطاق سماع الخطاب ؛ إذ السماع ( 2 ) لمن لا مثل له كالرؤية لمن لا مثل له سواء . فهذا هو السبب المجوّز لرؤية الحق تعالى في الحياة الدنيا في المنام . وكان أبو يزيد رضي اللّه عنه يقول : الحقيقة تأبى أن يكلم الحق تعالى غير نفسه ، أو يسمعه غير نفسه ؛ فإنه تعالى إذا أراد أن يكلّم عبدا لا بدّ أن يحبّه ، وإذا أحبّه كان سمعه وجميع قواه ، فما سمعه تعالى حقيقة إلا هو . ومن المحال أن يطيق حادث سماع كلام القدير أو يتعقّله ، ولم يكن الحق تعالى لسانه عند النحوي ، ولذلك كان صلّى اللّه عليه وسلّم مع كماله يغيب عن نفسه وإحساسه عند الوحي . واعلم أن حقيقة النوم أنه برزخ بين الموت والحياة ، فالنائم لا حيّ ولا ميت ، فله وجه للموت ووجه للحياة ، فهو أخو الموت من وجه واحد ، لا من الوجهين . قال اللّه تعالى :وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً[ النبأ : 9 ] : يعني راحة لكم ، ولتألفوا حالكم في البرزخ بعد الموت ، فإن حالكم فيه كالنوم في الصورة . قال شيخنا رضي اللّه عنه : ومحل النوم ما تحت الكواكب ، ومقعر فلك القمر خاصّة ، فالملك لا رؤيا له ؛ لأن نشأته غير عنصرية ، هذا حكم الدنيا ، وأما في الآخرة فمكان الرؤيا ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة ، ولذلك كان أهل النار ينامون في بعض الأوقات ، نسأل اللّه العافية . ( 1 ) رواه البخاري ( 4 / 1700 ) ، والحاكم في المستدرك ( 2 / 630 ) .
مرآة الحقائق — صفحة 211 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي