تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
اللّه على كل حال ، وهو تعالى معهم أين ما كانوا ؛ لكنهم لا يعرفون ذلك ، فيظنون انهم مع غيره ، وهو الأسباب والوسائط حتى إذا زال ما في البين ، وبدا للعين العين ؛ تحققوا انهم مع اللّه ، فهذا إنما ينفع ، وهم في الدنيا ، فإنهم في الآخرة مكاشفون للحقائق ؛ لكن لا ينفع لهم ذلك . ولذا قال تعالى :
وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ
[ الأنعام : 24 ] : أي حين ما شهدوا الحق وكاشفوا عنه . والحاصل : أن التعبير بالردّ في هذه الآية ، وبالرجوع في قوله تعالى :
وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
[ البقرة : 245 ] ؛ إنما هو باعتبار الحجاب ، والوقوف عند الوسائط لا باعتبار الكشف والوصول ، فإن المكاشف يعرف إنه مع اللّه على كل حال ، فكيف يردّ المردود ، وهو من تحصيل الحاصل ؟ ومن ثم قيل : قيامة العارفين دائمة . وحملوا قوله تعالى :
مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ
[ الفاتحة : 4 ] على اليومين جميعا ؛ لأن الدين هو المجازاة ، واللّه تعالى لم يزل يجازي عباده في الدّارين ، نعم إنه قدير ، والعبد من اسم إلى اسم ، كما أشار إليه قوله تعالى :
يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً
[ مريم : 85 ] . فإن المتقين ، وإن كانوا محشورين إلى اللّه في الدنيا ؛ لكن حشرهم ذلك قد يكون بحسب الأسماء الجلالية ؛ كالقهّار ، والقدير ، والمريد ونحو ذلك ؛ لأن موطن الدنيا ممتزج بالنور ، والظلمة ، ومختلط باللطف ، والقهر . وأمّا في الآخرة فيحشرون إلى الرحمن ، وهو اسم لا يقتضي الجلال والقهر ؛ بل الجلال واللطف ، فهم وإن كانوا مع اللّه في جميع الأحوال ؛ لكن فرق عظيم بين كونهم مع الاسم الرحمن ، وبين كونهم مع غيره من الأسماء الجلالة ، وبه يظهر صحّة السفر من اللّه إلى اللّه فاعرف . * * *